فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 413

في مفهوم الثورة

قلما ندر أن يجد الباحث المهتم بدراسة مسائل الثورة وحركات التحرر الوطني ما يشد الأزر إذا ما قرر، أو أجبر على، الخوض في تأصيل مفاهيمي لـ «الثورة» كواقعة فكرية واجتماعية، ناهيك عن «حركات التحرر» الوطني، فمثل هذه المفاهيم غدت من المسائل الباعثة على التذمر والإحباط إما لابتعاد المشتغلين فيها عن التأصيل لها، لسبب أو لآخر، وإما لأن التراث المعرفي والنظري للفكر العربي المعاصر يعاني أصلا قصورا في بنيته المعرفية، الأمر الذي أوقعه في أزمة علمية ليست الحيرة التي يشعر بها كل مثقف مهتم بالبحث عن ذاتية مجتمعاتنا العربية إلا أحد مظاهرها. أما، والحال هكذا، فإن هذا المثقف سيكون إزاء إشكال موضوعي ومنهجي يفرض عليه الانكفاء أو الاختيار بين:

? أن يرغم على استعمال إطار معرفي ونظري غير قادر في كثير من الأحايين على إعانته على فهم وتحليل واقع تاريخي لم يُدرَس من قبل ولم يفرض نفسه داخل ذلك الإطار النظري الموجود والذي يهيمن عليه تاريخيا الواقع العربي.

? وإما أن يلجأ إلى استعمال مثل هذه المفاهيم من خلال بناء حدود منطقية لها تبرر استعمالها.

? أو أن يستعملها من حيث الصيرورة التاريخية لتشكلها باعتبارها واقعة في نطاق الصيرورة [1] .

ويغلب الظن أن المجتمعات النامية وبالذات المجتمعات العربية تفتقر لتراث معرفي يتناول المفهوم، اللهم إلا بعض المحاولات التي يعتبر مالك بن نبي وفرانز فانون أبرز روادها إبَّان الاستعمار الفرنسي للجزائر، مع أنه من الصعب الجزم ما إذا كان المفكران قد تحدثا عن مفهوم للثورة أو لحركة التحرر. ومع ذلك فالمحاولتان لم تتطورا ولم يقع اختبارهما في مناطق أخرى. وفي واقع الأمر، وبقطع النظر عن هويتها ومضمونها وأهدافها والوسائل التي تستعملها، فالثورة لم تكن في يوم ما لتشكل ظاهرة معرفية بحد ذاتها. ومن جهتها لم تكن الحركات التحررية والمناهضة للاستعمار، في أحسن الأحوال، أزيد من ظواهر سياسية برزت بعد الحرب العالمية الثانية واستغلتها الماركسية السياسية لتلبي تطلعات الماركسية الأيديولوجية وتخدم مصالحها السياسية والإستراتيجية في التنظيم الدولي. فقد كان الاعتراف الدولي بحق الشعوب في التحرر وتقرير المصير هو القاعدة القانونية التي دفعت بالاتحاد السوفياتي، في إطار الحرب الباردة، إلى توظيف الظاهرة وتبنيها، وهو الموقف الذي رحبت به الكثرة الكاثرة من حركات التحرر بدء من الاحتماء بالاتحاد السوفياتي وصولا إلى اعتناق الأيديولوجية الماركسية اللينينية بوصفها الإطار المعرفي الوحيد الذي يوجه فعالياتها. وكان لشيوعها، كنظرية ثورية، ومن ثم تطبيقاتها أن ارتهنت حركات التحرر بها لدرجة التنكر لخصوصياتها وللنضالات التاريخية للشعوب المضطهدة والمستعمَرة

(1) في هذا الصدد يمكن مراجعة المقالات التالية: السطنبولي (فرج) : ملاحظات منهاجية حول اجتماعيات الثورة في الوطن العربي، وكذلك عبد اللطيف (كمال) : حركة التحرر العربي، المفهوم والأهداف الممكنة - مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت، لبنان - المستقبل العربي - العددان 11و119/ يناير، كانون الثاني 1981/ 1989 على التوالي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت