فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 413

مفاتيحها وأوقفها وربط بين سكانها مسلمين ومسيحيين برباط عقدي خالد لا زال يعرف حتى اليوم باسم «العهدة العمرية» . وتجدد وقفها من قبل علماء المسلمين في الأزهر غداة قيام الدولة اليهودية. ولهذه الأهمية الدينية معالم حية لا تفنى كالمسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وقبة الصخرة، مهبط الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ومعراجه إلى السماء، والحرم الإبراهيمي الشريف وكنيستي المهد والقيامة وأضرحة الصحابة العظام وعلماء المسلمين وخمسة عشر قرنا متواصلة من التاريخ الإسلامي الحافل حيث لا وجود لأية هوية لسكانها تفوق الهوية الإسلامية التي تهاوت مع انهيار الخلافة الإسلامية وزوال الإمبراطورية العثمانية وحربين عالميتين أسفرتا عن ظهور الدولة اليهودية على الأرض الموقوفة وتشريد مئات الآلاف من سكانها. تٌرى، هل اشتملت الهوية التي استقرت على أي من هذين المركبين؟ وهل عبرت عن ذات الجغرافيا؟

لا ريب أن المسألة تتصل بوضعية الشعب الفلسطيني في الشتات اتصالا مباشرا، حيث الشخصية الفلسطينية هي شخصية لاجئة، يائسة، عاجزة، منبوذة ومنكر عليها حق الوجود والفعل والتعبير عن الذات. وفي هذا المناخ القاتم برزت المنظمات الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة «فتح» التي نادت بشخصية بديلة هي الشخصية المقاتلة، باعتبارها الأداة القادرة على استيعاب حالة الشتات وتحويلها إلى حالة الفعل الطليعي في الحرب التحريرية القادمة للأراضي المغتصبة من فلسطين.

إذن هي الهوية الوظيفية «المقاتلة» . في الأثناء كانت الهوية الدينية قد تم تجاوزها إما إقصاء وإما لعجز رموزها عن الاندماج في الواقع الجديد بعكس الهوية القومية التي لم تجد بدا من الاندماج ولو كلفها ذلك التضحية بتصوراتها الأيديولوجية والسياسية آنذاك. ولكن، وفي بضع سنين، تحولت الهوية الوظيفية إلى هوية سياسية تبحث عن جغرافيا في وطن لم يعد «سليبا» وعبر تسوية سياسية تدرجت من «دولة ديمقراطية» إلى «وطن» هلامي غير محدد المعالم. وهنا، بالضبط، يكمن جوهر المسألة الإسلامية التي مثلت، عبر تنظيمات الظاهرة الجهادية، تحديا غير منتظر لإسرائيل ولكافة المستويات الأيديولوجية العلمانية، عربيا وفلسطينيا ودوليا، والسائرة جميعها في طريق التسوية السياسية. فالهوية الدينية ليست، ولا يمكن أن تكون، محل مساومة لا نصا ولا اجتهادا إلا إذا تقهقر رموزها. وحتى اللحظة فإن اندفاعها يعني ببساطة العودة بالصراع مع إسرائيل إلى الجذور بوصفه صراعا بين الكفر والإيمان، بين الخير والشر، بين الحق والباطل ... الخ هذا التصور يعني، على المستوى الفلسطيني، انقساما حادا يجعل من مختلف التشكيلات السياسية والاجتماعية واقعة على طرفي نقيض، أحدهما تمثله منظمة التحرير والقوى المنطوية في إطارها السياسي والأيديولوجي والآخر تمثله جماعات الظاهرة الجهادية. كما يعني أن ظاهرتي المقاومة العلمانية والإسلامية باتتا متلازمتان على مستوى الدراسة نظرا للترابط الوثيق بينهما. فإذا أردنا أن نضع، كليا أو جزئيا، نشاطات الحركة الوطنية الفلسطينية بشقيها الإسلامي والعلماني تحت المساءلة؛ فعلينا أن نقر، بادئ ذي بدء، أننا نواجه مشكلة معقدة تتصل بمفاهيم «الثورة، حركة التحرر والمجتمع» . والسؤال هو: هل تتيح المقالات السوسيولوجية لنا إمكانية الولوج إلى واقع اجتماعي يمتاز بالشتات والتفكك في ذات الوقت الذي خرجت منه ثورة؟ وبصيغة أخرى: كيف لنا أن نحدد المجال الاجتماعي لثورة ظهرت في مجتمع مندثر؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت