التي تبلورت في صلب الحركة لن يتبق سوى الحصول على الشرعية الثورية التي سيعني استقلالها تفجير بنية الحركة إلى منظمات متصارعة أيديولوجيًا.
ثمة من يبرر نشأة الحركة بتأطيرها في سياق طبقي أشمل تمثل في «سقوط القيادة البرجوازية الكبيرة للحركة الوطنية وبروز الجناح القومي والتقدمي من الطبقة البرجوازية الصغيرة والذي تصدى لقيادة الحركة الوطنية في الوطن العربي كما تمثل في قيادة ثورة 23 يوليو/ تموز عام 1952 في مصر وقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا» [1] . إن هذا التبرير، رغم صحته في مساره لا يكفي لفهم الثالوث المفاهيمي الذي طوقت به الحركة نفسها مذ ظهرت في صيغة «كتائب الفداء العرب» . ولا يكفي أيضًا إذا كان المقصود بذلك «مجموعة بيروت» التي مثلت عمود الحركة والتي تملكتها، مع المجموعات الأخرى، فكرة «الثأر والانتقام» من كل القوى التي رأت فيها مسؤولة عن ضياع فلسطين سواء كانت عربية أو أجنبية سعيًا منها لتكون جماعة ضاغطة تؤدي إلى، أو تساهم في، خلق حالة ثورية عامة. ولعلنا بصدد «نشأة تنظيمية» مميزة قوامها مجموعة فلسطينية في غالبيتها ظل نشاطها يتلون، حسب الظروف، بأسماء تنظيمية ونشرات تحريضية لو تتبعنا مضامينها لوجدنا أن كلمة «الثأر» ظلت الفكرة المركزية التي تقف خلف النشاط السياسي والعسكري لمجموعة بيروت. وليس غريبًا في مثل هذا الحال أن تكون المخيمات الفلسطينية أول هدف لنشاطها الإنساني والإعلامي التحريضي الذي قاده بالذات الدكتور وديع حداد. وإن قبول هذا الفَرَض سيؤول إلى اعتبار الحركة فلسطينية في جوهرها وأهدافها. وهذا يعني أن شعارها القومي «وحدة، تحرر، ثأر» الساعي إلى خلق دولة عربية واحدة هو شعار نفعي يوظف، أولًا وقبل أي شيء في خدمة أهداف الجماعة اللاجئة في «المنفى» والتي أدركت واقتنعت أنه لا سبيل إلى تحرير فلسطين بغير الاستعانة بالأمة العربية التي ينبغي العمل لإخراجها من حالة التجزئة إلى حالة الوحدة والقوة، إذ: «في وحدتنا قوتنا، وفي قوتنا ثأرنا، وفي ثأرنا حل لجميع مشاكل النازحين» [2] .
لقد نهلت حركة القوميين العرب من حزب البعث ثلثي الشعار واستبدلت لفظة «الاشتراكية» بلفظة «الثأر» . ولا شك أن تفسير ذلك يرتبط بما سبقت الإشارة إليه من الخلفيات الاجتماعية والنفسية التي تعرض لها القادة والمؤسسون لاسيما في مرحلة اللجوء. ولكننا لا نجد مفرًا من دعم ما ذهب إليه أحد الباحثين العرب حين اعتبر أن: «مفهوم"الثأر"هو أهم المفاهيم على الإطلاق الذي ظلت الحركة تفكر- انطلاقًا منه- في مسائل الصراع العربي ضد الصهيونية. فتحرير فلسطين ليس أكثر من ثأر عربي لما لحق الأمة العربية من مهانة واستعباد على أيدي"اليهود"» . ويضيف هذا الباحث ما يكتسي دلالة حاسمة حين يشير إلى: «أن هذا التصور من الفقر والبساطة بحيث لا تمكن نسبته إلى
(1) أبو عمرو (زياد) .- أصول الحركات السياسية في قطاع غزة - دار الأسوار - عكّا -1987 / ص 130 - 131.
(2) أبراش (إبراهيم) .- البعد القومي ... - مرجع سابق - ص 133.