تجاه نمو الجماعات الإسلامية عموما [1] فمن المؤكد أنه كان عليها أن توقف المد الإحيائي الديني الذي اجتاح العالم الإسلامي برمته كيما توقفه في الأراضي المحتلة.
سيلاحظ المطلع على تراث الجماعة ممثلا برسائل الشيخ حسن البنا ومذكرات الدعوة والداعية أنه ثمة بون شاسع بين تاريخية عمل الجماعة الأم و «الإخوان المسلمين» في فلسطين. وفيما عدا جوانب العمل الإصلاحي والاجتماعي والتنظيمي لا يبدو أن هنالك أوجه شبه أخرى. بل إن المقارنة بين تراث الجماعة الأم ونشاطات «الإخوان المسلمين» في فلسطين بعد أزمة العام1954 لتكشف عن وجود تناقضات غير مسبوقة في آليات العمل والمواقف والإستراتيجيات. وهذه، كلها، تنطبق على الجماعة الأم وبقية فروعها في العالم العربي والإسلامي ولا يختص بها «إخوان فلسطين» وحدهم، إذ أن الموقف يأتي انعكاسا لمواقف الجماعة الأم. والمدهش، حقا، ألا نعثر قط، فيما أطلعنا عليه من كتابات تناولت تاريخية الجماعة في فلسطين أو غيرها أو حركة «حماس» على ما يلفت الانتباه لمثل هذه المسألة ولا حتى في «الكتابات العلمانية» التي تأخذ على الجماعة غيابها الطويل عن الجهاد ولا على لسان السياسيين والقادة من الجانبين. ففي تاريخ الجماعة الأم لم يثبت قط أن أثيرت أية إشكالات حول مسألة الجهاد قولا وعملا منذ تأسست وحتى اغتيال الشيخ حسن البنا أوائل العام1949. وليس في تراثها النظري والتطبيقي ما يشير إلى الفصل بين الجهاد وأركان الدعوة أو أي أمر آخر من هذا القبيل. والثابت أن الجهاد ظل حاضرا في فكر الجماعة منذ البداية. بل كان المبرر لولادتها منذ اللحظة التأسيسية كما يستشف من الرواية التي قدمها «البنا» في مذكراته:
«في ذي القعدة سنة 1347هـ، مارس سنة 1928م ... زارني بالمنزل أولئك الأخوة الستة: حافظ عبد الحميد، أحمد المصري، فؤاد إبراهيم، عبد الرحمن حسب الله، إسماعيل عز، زكي المغربي، وهم من الذين تأثروا بالدروس والمحاضرات التي كنت ألقيها، وجلسوا يتحدثون إلي .. قالوا: لقد سمعنا ووعينا، وتأثرنا .. ولقد سئمنا هذه الحياة: حياة الذلة والقيود، وها أنت ترى أن العرب والمسلمين في هذا البلد لاحظّ لهم من منزلة أو كرامة، وأنهم لا يُعدّون مرتبة الأجراء التابعين لهؤلاء الأجانب .. ولا نستطيع أن ندرك الطريق إلى العمل كما تدرك، أو نتعرف السبيل إلى خدمة الوطن والدين والأمة كما تعرف، وكل الذي نريده الآن أن نقدم لك ما نملك لنبرأ من التبعة بين يدي الله، وتكون أنت المسؤول بين يديه عنا وعما يجب أن نعمل، وإن جماعة تعاهد الله مخلصة على أن تحيا لدينه، وتموت في سبيله، لا تبغي بذلك إلا وجهه، لجديرة أن تنتصر، وإن قل عَددها وضعفت عُددها» .
ويبدي «البنا» تأثره العميق إزاء هذا الموقف ويقول:
«شكر الله لكم وبارك هذه النية الصالحة، .. فلنبايع الله على أن نكون لدعوة الإسلام جندا، .. وكانت بيعة ... وكان قسما أن نحيا إخوانا نعمل للإسلام ونجاهد في سبيله. وقال قائلهم: بم نسمي أنفسنا؟ وهل نكون
(1) الحروب (خالد) .- حماس ... - مصدر سابق - ص 223.