فهرس الكتاب

الصفحة 346 من 413

في الحياة المدنية والعمل على توفير شروط الاستمرارية كالتأهيل الإداري والحاجة إلى جهاز بيروقراطي وجمع التبرعات وتلبية الاحتياجات الماسة للسكان. إذ يذكر أحد قادة الجماعة في مدينة نابلس بالضفة الغربية أنه يشارك في الإشراف على لجنة أموال الزكاة التي تقدم المساعدات المالية لأكثر من عشرة آلاف عائلة محتاجه [1] . ولما يقع النظر في حجم المؤسسات والمسؤوليات التي تكفلت بها الجماعة والعلاقات الاجتماعية والدينية المتشعبة التي بنتها فمن الطبيعي أن يتركز اهتمامها على توفير الحد الأدنى من الحماية لعدم إتاحة الفرصة لأهم فاعل استراتيجي (القوة المحتلة) للتدخل في البنية المؤسسية. وبهذا النهج تكون الجماعة قد نزعت فعليا إلى الأخذ بمبدأ السلامة العامة دون أن تأمن على نفسها من التدخل الإسرائيلي بين الحين والآخر. والمشكلة أن هذا المبدأ أخذ يترسخ كلما تضخمت البنية المؤسسية وزادت أعباء الجماعة لاسيما فيما يتعلق بحجم الرعاية الاجتماعية. وهنا بالضبط فرضت المأسسة الاجتماعية والدينية اختيارات محدودة أمام الجماعة التي استغلت تضخمها في العمل السياسي وليس في العمل العسكري، الأمر الذي عرضها لردود فعل سلبية وانتقادات حادة ابتداء من أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات. والثابت تاريخيا أن الجماعة أفادت من العمل السياسي عبر طلبة الجامعات. وتعززت جماهيريتها من خلال محاولات احتواء التململ المضطرد كتأسيس الأنوية العسكرية (1983) أو المشاركة في المقاومة المدنية للاحتلال (1985) . غير أن التمسك بمبدأ السلامة ظل متاحا حتى نهاياته. ففي مقابلة مع الشيخ أحمد ياسين (27/ 4/1987) حول عدم تبني «الإخوان المسلمين» للكفاح المسلح بشكل معلن قال: «إن الإخوان يقاومون الاحتلال. وأنهم مع الكفاح المسلح دون أن يتبنوا ذلك كموقف رسمي معلن كما هي الحال بالنسبة لحركة الجهاد الإسلامي» [2] .

ومهما يكن الأمر. فالنهج الإصلاحي، وفي خضم الصحوة الإسلامية وانتشار التدين، فتح قريحة الجماعة على الإفادة من هذا المناخ بالتحول إلى حركة جماهيرية واسعة وتعزيز نفوذها الاجتماعي والسياسي بأقل التكاليف. وفي هذا السياق يشار عادة إلى تغاضي إسرائيل عن نشاطات الجماعة بغية ضرب القوى الوطنية العلمانية المؤيدة لمنظمة التحرير الفلسطينية. بيد أن هذا التفسير الذي روجته ذات القوى لم تروجه ضد تيارات «الجهاد الإسلامي» [3] . مما يعني أن المسألة تدخل في نطاق الصراع على النفوذ. ويدلل إلى حد كبير على المكاسب التي حققتها الجماعة. أما فيما يتعلق في الموقف الإسرائيلي فسواء تعلق «بغض الطرف» أو بـ «الحيرة»

(1) أبو عمرو (زياد) .- الحركة الإسلامية في الضفة وقطاع غزة ... مرجع سابق - ص 14.

(2) نفس المرجع.- ص 26.

(3) (لعل المرجح في ذلك أن"الجهاد الإسلامي"اعتبرت جزء من"فتح"أو أنها تعمل بالتنسيق معها. بيد أنها فيما بعد، حيث اتضحت هويتها، هوجمت بشدة بدعوى تلقيها أوامر وتعليمات من إيران. والطريف في هذه الاتهامات أن مروجيها لا يتجاهلون، تماما، العلاقات التاريخية التي نسجوها مع الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية سابقا ومع دول عربية وُصفت بـ"التقدمية"،ولكن الوضع السياسي الميال للمصالحة مع إسرائيل، وغير المتبلور في حينه، يجعل من مقارعة هذه الأخيرة محرجا، وكما لو أنه همٌّ قومي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت