فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 413

إنكارها وحربا عربية عليها لجهة احتوائها. وما بين «النكران» و «الاحتواء» استقرت الهوية سياسيا ولكنها ظلت «من دون جغرافيا» [1] . ولكن أية هوية سياسية تلك التي استقرت؟ وأية جغرافيا يجري البحث عنها؟

في غياب أية سلطة محلية مركزية في فلسطين عبر التاريخ، أو سلطة وطنية تماثل الحالة المعاصرة لأقطار الوطن العربي تساهم في صناعة هوية قطرية - قومية خاصة بالشعب الفلسطيني تظل الهوية التقليدية الموروثة معبرة عن مركبين أساسيين متلازمين ومتمحورين حول العروبة والإسلام. هذه الثنائية التي تشكل حصيلة الرموز والتصورات الذهنية لدى الشعب الفلسطيني لم تنل منها الإشكاليات المثارة حولها بين الحين والآخر في مجتمعات عربية كون الشعب الفلسطيني لا يمتلك أية تجربة استقلالية. وما ينظر إليه رواسب تاريخية في بعض المجتمعات تسببت في أزمة هوية إنما هي أسس الهوية الراهنة. فقد ظلت فلسطين، تاريخيا، أحد المكونات البنيوية لجغرافيا منطقة بلاد الشام. ولم تكن في يوم ما جزءً منفصلا أو مستقلا عنها، بل الأشد ارتباطا بها لدرجة أنها لم تتمتع قط بسلطة مركزية مستقلة حتى لما جرت محاولة منح متصرفية القدس صفة ولاية إدارية عثمانية منفصلة عن ولاية دمشق. وهكذا احتفظت فلسطين بكونها المنطقة الشهيرة بـ «سوريا الجنوبية» .

وفي خضم عقود الانتداب البريطاني الثلاثة عليها لم يتنازل سكانها قط عن حقيقة أنهم سكان الإقليم الجنوبي. وكالعرب، شعوبا وقادة، رفض الفلسطينيون الاعتراف بما تمخضت عنه اتفاقيات سايكس- بيكو، البريطانية - الفرنسية، التي قسمت مشرق الوطن العربي إلى دول عدة وقطعت التواصل بين أجزائه وصولا حتى المغرب على سواحل المحيط الأطلسي. وردا على ذلك تمسك الفلسطينيون، أكثر من غيرهم، بحلم الوحدة ضد التجزئة الاستعمارية من جهة وضد الدولة اليهودية من جهة أخرى. وظل التعلق بالهوية القومية العربية أحد المركبات الأساسية التي لم تتزحزح من الوجدان الفلسطيني الذي لم يألف هوية سياسية أخرى ليستعملها في التعبير عن ذاته مثلما ألفها المواطنون العرب في الدول العربية القطرية. ولا أدل على ذلك من التأييد الساحق للأحزاب القومية العربية كحزب البعث العربي الاشتراكي أو حركة القوميين العرب ثم الوحدة المصرية - السورية أو للناصرية من بعدها وللتطلعات القومية العربية أيا كان مصدرها ومتى كان ذلك.

بطبيعة الحال ليست الهوية الدينية أقل شأنا من الهوية القومية إن لم تكن أعظم. ففيما خلا مكة المكرمة والمدينة المنورة لم ينل بلد من التكريم الإلهي ما نالته بيت المقدس [2] في العقيدة والتاريخ الإسلاميين. فهي الأرض المباركة في القرآن، أرض الإسراء والمعراج، المعجزة الإلهية التي لم تماثلها أية معجزة على الأرض منذ أنزل آدم عليها. وهي أرض الأنبياء منذ الأزل. وفي السنة النبوية هي أرض الرباط والجهاد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وفي التاريخ الإسلامي هي الأرض الموقوفة منذ فتحها الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب وتسلم

(1) سلامة (غسان) .- المجتمع والدولة في المشرق - مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت، لبنان - الطبعة الأولى، 1987 ص 42.

(2) حتى نهاية العهد العثماني؛ كانت بيت المقدس تمسح 22 ألف كيلو متر مربع. أي أكثر، قليلا، من أربعة أخماس مساحة فلسطين. وهي أحد ثلاثة متصرفيات (سناجق) عثمانية إلى جانب"عكّا"و"نابلس".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت