يُحمّل شعب نفَّذ أطول إضراب احتجاجي طوال ستة أشهر شُلَّت فيه كافة مناحي الحياة، مسؤولية النكبة؟ أو يلقى عليه القسط الأكبر من المسؤولية؟
في حقيقة الأمر فان التقصير العربي إزاء الفلسطينيين لا يحتاج إلى إيضاح. ونحسب أن التملص الرسمي من المسؤولية عن النكبة هو سلوك جماعي عنيف ومفجع استهدف إخفاء الحقيقة أولًا ليصار إلى تحويرها ثانيا. ولكن من هو المخاطب في هذا السلوك؟ هل هم اللاجئون الذين يدركون تفاصيل الكارثة؟ أم أشقاءهم، ومن نفس الشرائح الاجتماعية، الذين تفاجئوا بحشود اللاجئين بين ظهرانيهم وانتظروا من زعامات الاستقلال (الشرائح المتنفذة) أن تقدم لهم إجابات ومبررات؟ بالفعل ألقي اللوم على اللاجئين، وحُصرت أسباب النكبة بهم وقُلبت الحقائق واستُعملت مفاهيم وقيم المجتمع الفلاحي تجاه الأرض لحفز الشرائح المختلفة في الريف على معاداة اللاجئ الذي باع أرضه وبالتالي عرضه لتُضرب كرامة اللاجئ في الصميم في ذات اللحظة التي كان يعاني منها من انعدام الوزن. هذه المكانة الرهيبة التي حظي بها اللاجئون كانت كفيلة بدفعهم نحو الانزواء في تجمعاتهم ومخيماتهم الموحشة بعد أن تبين لهم أن الشتات لم يجردهم من ممتلكاتهم ووطنهم ولا من «كل القيم السياسية والاجتماعية والأخلاقية التي نشئوا عليها (أو تمزيق) العلاقات والوحدات الاجتماعية التي تربوا عليها. بل ... أخرجهم من المجتمع العربي ككل» [1] . وكانت العزلة المدخل إلى الوصاية السياسية العربية، وفي هذا السياق فإن وصم الفلسطينيين بأنهم «كتلة مصابة بالعجز والاتكالية» ينسحب على النشاط السياسي لهم بدرجة تفوق كثيرًا جدًا النشاط الاقتصادي أو الاجتماعي لهم. فالإلحاق السياسي للضفة الغربية (الأردن) وغزة (مصر) والحمّة (سوريا) لجم أية تطلعات سياسية مستقلة للفلسطينيين وفرض عليهم حصارًا سياسيًا حرم الفئآت المسيسة منهم أو الواعية من المجاهرة في التعبير عن آرائهم أو بناء أية مؤسسة سياسية. ولم يكن الاندماج في الأحزاب السياسية العربية أو المؤسسات الرسمية إلا لكونها القناة الوحيدة المتاحة أمامهم. وحتى هذه الأحزاب المعارضة أساسًا لم تنتعش إلا في أجواء عدم الاستقرار الذي خلفته النكبة بدعوى من الأنظمة السياسية الفاسدة. فانخرط الفلسطينيون في سوريا بجماعة «الإخوان المسلمين» التي ساهمت، مع متطوعين من الجماعة الأم في مصر، في الدفاع عن القدس الشرقية خلال حرب العام1948، وفي لبنان اندرجوا في الحزب القومي السوري الاجتماعي المنادي بوحدة سوريا الكبرى والذي جعل القضية الفلسطينية في صلب اهتماماته وعلى رأس أولوياته. أما في الأردن فكان الاتجاه نحو حزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب. وتوزعوا في غزة على كل الأحزاب القومية والدينية والأممية. وفي كل مكان تواجد فيه الفلسطينيون ثمة حضور حزبي لهم مؤسَّس على قضية الاندماج في الأحزاب الأقرب إلى القضية الفلسطينية طالما ظل العمل السياسي العلني والمستقل محظورًا عليهم. وبطبيعة الحال لم يفلت من هذه الفرضية إلا أشكال العمل السري أو الطلابي داخل حرم الجامعات أو الاحتجاجات الشعبية العامة، التي كانت تغذيها تطورات الأحداث، والتي كانت تواجَه، في العادة بقمع وملاحقة بالرغم من طابعها الظرفي.
(1) البيطار (نديم) : التسوية السياسية والنهوض العربي - شؤون فلسطينية - منظمة التحرير الفلسطينية، مركز الأبحاث - بيروت، لبنان - عدد 3 - آذار / مارس 1971 - ص 59.