فهرس الكتاب

الصفحة 194 من 413

الثورة ستولد في بحر معاد من السكان وأقلية وطنية صغيرة ومبعثرة وخاضعة إلى إرهاب منظم بمقتضى أحكام الطوارئ. كما أن على الثورة العتيدة أن تستعد لمواجهة قوة عالمية غازية مسلحة بكيان استيطاني بشري كثيف، معبأ ومأدلج ومؤسس على نظرية «مجتمع الحرب» ، زيادة على تمتع هذه القوة بالشرعية القانونية الدولية والحماية الاستعمارية العالمية.

والملاحظة الثانية أنه لما كانت المساحة غير الخاضعة للاحتلال صغيرة جدًا فمن المستحيل أن تقوم حرب عصابات كخطوة أولى على طريق الحرب الشعبية إلا إذا كانت القاعدة الآمنة لهذه الحرب تعني خضوع الدول العربية المجاورة لشروطها وتبعاتها. وفعلًا اعتبرت الثورة الفلسطينية الأرض العربية المحيطة بإسرائيل «ميدانًا مشروعًا للنضال الفلسطيني» [1] . غير أن الأنظمة السياسية العربية المعنية قاومت هذا المسعى. ففرضت سوريا ومصر حظرًا على النشاط العسكري الفلسطيني عبر هضبة الجولان وصحراء سيناء، واضطرت الثورة أن تنحشر في جنوب لبنان بعد أن خسرت قاعدتها الآمنة في الأردن. لعل هذه الظروف والتحذيرات الصينية ما كانت لتمر دون اختبار أكثر من مرة وبشكل مبكر ضُحى الانطلاقة المسلحة أو غداة حرب الكرامة (21 آذار/ مارس 1968) . فهل ثبتت صحتها؟ وهل كان ثمة وقت يتيح التفكير؟ أم أن الثورة الفلسطينية وقعت ضحية تسارع الأحداث؟ والأهم من كل ذلك: لماذا تجاوزت «فتح» التحذير الصيني؟

وجدت الظروف والتحذيرات أول اختبار لها لما بدأ العد العكسي لقرار الانطلاقة حيث برزت الشقاقات الحادة في شهر تشرين ثاني/ نوفمبر سنة 1964 خلال اجتماعين عقدهما قادة «فتح» لمناقشة ما إذا كان الوقت ملائمًا لشن عمليات عسكرية أم لا؟ ففي الاجتماع الأول الذي انعقد في منطقة الصليبخات، إحدى الضواحي السكنية الشعبية في إمارة الكويت، انقسم المجتمعون إلى فريقين متساويين ولمّا يقع التوصل لأي اتفاق. وفي وقت لاحق تمت الدعوة لاجتماع آخر موسع عقد في دمشق وشارك فيه ما بين 40 - 50 [2] عضوًا من إطارات «فتح» القيادية في البلدان المحاذية وخاصة أطر الضفة الغربية وقطاع غزة، أي تحديدًا تلك المناطق التي ستنطلق منها أولى غارات الفدائيين، فانقسم المجتمعون ثانية. وبعد نقاشات طويلة تم التوصل إلى موقف إجماعي. غير

(1) هذا الموقف جاء إثر مناقشات طويلة جرت بين أحد عشرة منظمة فدائية في أعقاب خروج المقاومة الفلسطينية من الأردن، و اعتبرت المقررات الصادرة في 6 أيار/ مايو 1970 إضافة إلى الميثاق الفلسطيني و مقررات المجالس الوطنية بمثابة الخطوط العريضة للعمل السياسي والعسكري المشترك. وللاطلاع على نص المقررات يمكن مراجعة: حجار (جورج سالم) : أدبيات الجبهة الشعبية .. - مرجع سابق - الثقافة -عدد10/ص66،76. والهدف، مجلة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - عدد41 - 9/ 5 / 1970 - ص3.

(2) (حجار(جورج سالم) : أدبيات حركة فتح ... - مرجع سابق - عدد 1 - ص 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت