أصبحت الأشجار الخصبة التي غرسها كبار الملاك تؤتي ثمارها، وبدأ نجم مصدري الحمضيات في الصعود متجهين نحو الهيمنة على قطاع التجارة الخارجي. في هذه الأثناء حررت الإدراة المصرية ميناء غزة لتنشيط التجارة الخارجية وأنشأت غرفة تجارة [1] وأصدرت قوانين تنظم حركتي الاستيراد والتصدير من بينها (أولًا) يسمح: «بأن يكون للمصدر الحق في استيراد ما قيمته 50% من الموالح المصدرة على شكل سلع تموينية وسلع أخرى يحددها مدير المالية والاقتصاد. و 50% مواد تعبئة الموالح .. كما يسمح لمصدري السلع الأخرى باستيراد 75% من قيمة الصادرات على شكل سلع ومواد تموينية تحددها الإدارة و25% لاستيراد السلع التي يرغبها التاجر ويحتاجها السوق بعد موافقة الإدارة» و (ثانيا) يسمح: «بالاستيراد بدون تحويل عملة على أن تحدد السلع المسموح باستيرادها مقدمًا بمعرفة مدير المالية والاقتصاد» . كما نص القانون على أن: «تحدد الإدارة حصص السلع المستوردة بنسبة50% من أثمان الحمضيات و 75% من أثمان بقية الصادرات» [2] .
ونظريًا يبدو محتوى البندين أعلاه متوازنان في مراعاتهما لكل من التاجر والمستهلك. إلا أنهما يميلان لمصلحة التاجر أكثر من ذي قبل بما أنه استفاد من حق استغلال أرصدته في الخارج دون أن يلزم بإعادة ما تبقى من قيمة صادراته نقدًا إلى غزة. كما أنه لن يعاني من طلبات الاستيراد وتحويل العملة. وابتداء من سنة 1958 ستغدو المسألة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. إذ أن تجارة غزة أمست تحت السيطرة التامة لمصدري الحمضيات، ولم تعد المشكلة تتعلق باحتكار الكبار للإنتاج إنما باحتكار قطاع التجارة والمبادلات برمته. فالمصدرون ظلوا قلة تمتلك رؤوس الأموال القادرة على تزويد أسواق غزة بالسلع الضرورية و فتح سوق أكثر أهمية لهم هي السوق المصرية التي استطاعوا غزوها، عن طريق التهريب أو السياح أو تجار الشنطة [3] بالسلع الكمالية مثل الملابس والويسكي والساعات والراديوات وأحجار البطاريات والمجوهرات والخزف والعطورات.
لقد ارتبط الرأسمال في غزة ارتباطًا كليًا بالسوق العالمية، وحقق التجار والرأسماليون أرباحًا طائلة في نشاطاتهم التجارية مستفيدين على الصعيد الداخلي من «تعاون» الإدارة المصرية وسيطرة الامتدادات العائلية لهم على معظم المرافق والإدارات الحيوية في القطاع، وعلى الصعيد الخارجي نسجوا منظومة من العلاقات التجارية لتسويق إنتاجهم عبر بيروت التي كانت تشحن إليها عشرات آلاف الأطنان من الحمضيات التي يعاد تصديرها إلى دول أوروبا الغربية والشرقية. وأدى ازدهار التجارة في غزة إلى ارتفاع عدد المحلات التجارية من 2000 محل تجاري سنة 1962 إلى 10000 محل سنة 1966، ومع ذلك فقد وصل الغلاء أرقامًا قياسية حتى مس ذوي الدخول العالية مثل موظفي الأمم المتحدة، الأمر الذي يوضح مدى تدهور القدرة الشرائية لدى السكان. ولا غرابة في ذلك بما أن الكتلة النقدية للقطاع تقع تحت سيطرة المصدرين الذين نجحوا في تجاوز كل قانون
(1) منصور (كميل) .- الشعب الفلسطيني في الداخل ... - مرجع سابق - ص187.
(2) أبو النمل (حسين) .- قطاع غزة - مرجع سابق / ص264 - 265.
(3) نشط هذا النوع من التجار بين غزة ومصر، وقام به على وجه الخصوص طلبة غزة الذين يدرسون في الجامعات المصرية حيث كانت حقائب السفر تمتلئ بالبضائع التي تُسوَّق في مصر. أما غزة فقد بدت منطقة سياحية بغرض التسوق. إذ بلغ عدد السياح المصريين القادمين إليها سنة1958 نحو 4000 سائح وسنة1962 ارتفع إلى12000 سائح ثم سنة1961 إلى 17000 سائح. يراجع في ذلك: نفس المرجع.- ص271.