فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 413

خاصة الملاكين فسنحصل على مفارقة طريفة للغاية، وهي غياب طبقة فلاحين في مجتمع يعتمد على الزراعة في معيشته. ولعل صغر مساحة الأراضي المزروعة وتمركز مساحة واسعة منها بيد قلة من الملاكين ما يفسر ذلك. إذ أن عدم كفاية المساحات المزروعة أو القدرة على استصلاح الأراضي القابلة للزراعة أجبرت فقراء القطاع على العمل الزراعي لدى كبار الملاك أو اللجوء إلى العمل الزراعي بالمحاصصة أو بالاستئجار. المهم في الأمر، وفي ظل حرمان اللاجئين من العمل في مصر بأجر أو بدون أجر وفرض قيود على سفرهم، ورفض الانروا توسيع خدمات الإعالة لمن اعترفت بحاجتهم للإغاثة، وهم «جميع السكان تقريبًا» بمن فيهم اللاجئين اقتصاديًا، كيف ستتصرف الشرائح المتنفذة لتعويض خسائرها الاقتصادية التي منيت بها جراء قيام الدولة اليهودية لاسيما وأنها تعيش وسط مجتمع من اللاجئين جميع شرائحه تعاني حالة إملاق شديد؟

يختلف الأمر في قطاع غزة عنه في الضفة الغربية، ففي الأخيرة نجح زعماء الضفة في حسم الموقف والارتباط في الأردن. أما في قطاع غزة فقد كانت الكثافة السكانية والبؤس الاقتصادي والاجتماعي مدخلين حاسمين في نقل القطاع إلى فضاءات المواجهة السياسية. فثمة أكثر من جهة تنازعت المصير السياسي للقطاع. بالنسبة لحكومة عموم فلسطين والهيئة العربية العليا، رفض الحاج أمين الحسيني عرضًا أردنيًا يقضي بتعيينه نائبًا للملك على القسم العربي في فلسطين إذا ما وافق على إلحاق غزة بالمملكة الأردنية الهاشمية. وكانت الشرائح المتنفذة منقسمة على ذاتها فحبذ قسم منها اللحاق بالأردن فيما رفض الآخر الاقتراح. أما عوني عبد الهادي سفير الأردن في القاهرة فقد سعى بالتعاون مع الأمم المتحدة إلى توطين اللاجئين في الدول العربية، ولتسهيل عملية التوطين هذه اقترح أن تبنى لهم قرى شبيهة من حيث المناخ والبيئة والمساكن وتحمل أسماء الأماكن التي كانوا يقطنون فيها في فلسطين. ولم ترفض أية حكومة عربية آنذاك مبدأ إعادة توطين اللاجئين. ولم يسجل أي اقتراح عربي لتسليم القطاع إلى الهيئة العربية العليا الوحيدة التي قاومت رسميًا مشاريع التوطين.

كانت اتفاقية الهدنة التي وقعت بين مصر وإسرائيل سنة 1949 قد اعترفت بقطاع غزة كوحدة منفصلة تحت إشراف الحكومة المصرية. وما أن بدأت المفاوضات بين مصر وبريطانيا للجلاء عن قناة السويس حتى اقترح المفاوض المصري: «أن تنتقل القوات البريطانية في القناة إلى فلسطين أو غزة بما يمكنها في حالة الحرب من العودة خلال أسبوع» [1] ، ولا شك أن بعضًا من المتنفذين كانوا على علم بالخطوة المصرية وأبرزهم رشاد الشوا، شقيق رشدي الشوا رئيس بلدية غزة، الذي روج لمبادلة القطاع بالقناة «كي نتنفس» كما أن «الاتصال بالإنجليز والأمريكان سيجعل الدولار يدخل إلى القطاع وبالتالي تتحسن الأوضاع» بما أن: «انتقال القواعد إلى غزة سيوفر عملًا إلى آلاف العمال» . ولم يتوقف هذا الجدل السياسي حول مصير القطاع حتى بعد أن فشلت مباحثات الجلاء بين مصر وبريطانيا، وأخذت مصر تتهيأ للدخول في مرحلة جديدة بعد حريق القاهرة وإزاحة حكومة حزب الوفد وتعيين حكومة موالية للملك، وبدت هذه التغيرات السياسية مقدمات موضوعية، إلى جانب حرب العصابات ضد القوات البريطانية في القناة، لانتصار ثورة 23 تموز/ يوليو سنة 1952. وعلى عكس التوقعات فإن تجاهل قيادة الثورة

(1) أبو النمل (حسين) .- قطاع غزة ... - مرجع سابق - ص53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت