ومهما كان حجم الشرائح الميسورة، وهي قليلة على أية حال، فإن ارتباط حركتها التجارية بالأردن وسع من مصالحها الإنتاجية والرأسمالية في الضفتين على السواء. إذ تمكنت من توسيع نطاق تجارتها لتطال الأسواق العربية. وبفعل تضخم دورها الاقتصادي الإقليمي لجأت إلى تركيز رأسمال ومصالح استثمارية ضخمة في الأردن بدعم وتشجيع حكومي. ومن جهتهم أدرك الصناعيون أن فرصتهم معدومة إذا ما قرروا اللحاق بكبار الملاك والتجار لغياب بنية تحتية أو دعم حكومي مماثل. واستقر لدى المحظوظين شعور بأنهم شريحة متميزة داخل الطبقة الميسورة. وفي ضوء المضي قدمًا في إنتاج الصناعات الاستهلاكية كالمواد الغذائية والحلويات والأثاث والصابون والأحذية [1] يبدو أن الصناعيين قنعوا بالأرباح القليلة، وتخلوا عن الاستثمار في مشاريع صناعية كبيرة غير مضمونة. وكانت النتيجة الاتجاه نحو الادخار المالي السلبي (= الاكتناز) ، وتوجه آخرون إلى الادخار في البنوك الأجنبية لعدم استقرار الوضع السياسي [2] .
وكانت الفرصة كبيرة أمام نمو كافة القطاعات، غير أن حرمان المنطقة من السيولة المالية أدى إلى جمود وتراجع في النشاطات الاقتصادية والإنتاجية وسيادة نوع من التخصص في الإنتاج. ولم يكن اقتصاد الضفة ليتوقف عن النمو لولا انتقال رؤوس الأموال إلى الخارج مثلما فعلت أيضًا عائلة شومان التي نقلت البنك العربي إلى الضفة الشرقية وكذلك عائلة طوقان الثرية والكثير غيرها. فمن أصل 60 مليون جنيهًا فلسطينيًا هي إجمالي العملة المتداولة في فلسطين سنة 1950 لم يتبق منها سوى عشرة ملايين جنيهًا. أما الودائع المحجوزة للفلسطينيين في البنوك الأجنبية، وقيمتها 1.6 مليون جنيهًا، فقد حولت إلى الأردن. كما تسلم أصحاب صناديق الأمانات والادخار المقيمون في الأردن مدخراتهم أيضًا [3] . وإزاء الضعف الملحوظ في أهم القطاعات الاقتصادية توجه نحو 40% من القوى العاملة للارتزاق من قطاع الخدمات الذي غطى نحو 60% من إجمالي الناتج المحلي رغم أنه غير مهيكل ولا متجانس. إذ يشتمل على قطاع تقليدي يضم الباعة المتجولين والفلاحين والحرفيين الذين يقومون ببيع بعض منتجاتهم بصفة فردية، كما يضم قطاعا غير تقليدي كالسياحة وأعمال الإدارة العامة كالجيش والأمن والصحة والتعليم والاتصالات البريدية والكهرباء والمياه، والخاصة، كالبنوك والتأمين والنقل والبناء وتجارة الجملة والمفرق ... الخ [4]
وفي قطاع غزة توفر ملكية الأرض، إحدى أهم السمات التاريخية الاقتصادية البارزة، مدخلًا ملائمًا لتتبع مسار الشرائح الميسورة فضلًا عن الظروف الموضوعية الناشئة التي تجعل منها نتوءات أكثر بروزًا من مجتمع اللاجئين ذاته. فقد امتازت هذه البقعة الصغيرة باعتمادها على الزراعة في معاشها. وبما أنها مدينة ساحلية تتمتع
(1) هلال (جميل) .- الضفة الغربية - مرجع سابق - ص174.
(2) أبو كامش (إبراهيم) .- التركيب الطبقي ... - مرجع سابق - ص80.
(3) نفس المرجع.- ص52. ويشير جميل هلال إلى تركيز البرجوازية الفلسطينية المهاجرة لأموالها في الضفة الشرقية خاصة في العاصمة الأردنية - عمان، وينقل عن مصادر أخرى أن المبالغ التي نقلها اللاجئون الفلسطينيون معهم إلى الأردن قدرت بحوالي 20 مليون دينار أردني. هلال (جميل) .- الضفة الغربية - مرجع سابق - ص71.
(4) المرجع أعلاه.- ص158 و 170.