للأسرة استقلاليتها عن الأسرة المجاورة، كان لسلوك الاحتشام، في الوقت ذاته، قدرًا معينًا من الحرية للأفراد ذكورًا وإناثًا. ولما كان البيت محاطًا بسور أو بسياج أو تفصله بضعة عشرات من الأمتار عن بيت مجاور له كان سكان البيت رجالًا ونساء يتمتعون داخل ساحته بحرية السمر والتنقل والعمل والنوم دون أن يمس ذلك أي من المعايير الأخلاقية التي تحول، مثلًا، دون سماع الجيران للخصومات أو ظهورها للعلن، أو أن تسمع أصوات النساء في الخارج أو أن يظهرن كاشفات الرأس أمام الآخرين، وإذا ما استوجب ظهورهن أمام الجيران أو الغرباء فعليهن إبداء القدر الأكبر من الاحتشام. باختصار كان للبيت الريفي حرمته المقدسة. والمساس بها يؤدي إلى عواقب وخيمة أقلها الشعور بالدونية وأكثرها الفضيحة أو العار. وبلا شك لم تكن البيوت المتلاصقة للمخيم لتستر على هذه الحرمة. وعلى العكس من ذلك فلقد غدا الاحتشام الطبيعي معرضًا للانكشاف لو سكن أفراد العائلة متباعدين عن بعضهم وبصورة أسوأ مما لو اخترقت حرمة المنزل في القرية، لأن المخيم يأوي لاجئين من عشرات القرى والمدن، ويصل عدد السكان فيه إلى عشرات أضعاف عدد سكان القرية. لذا كان التكتل والتجاور العائلي يستر ما يمكن أن يفضحه الفضاء الجديد أو على الأقل يقلص الآثار ما أمكن ذلك.
إذن ثمة ذهنية عشائرية قوية في المخيم. ولكنها ضعيفة جغرافيًا إلى أدنى حدودها فبالكاد تحوز أي عشيرة أو عائلة على بضعة غرف تتقاسمها. وينبغي التأكيد على أن التجاور لم يكن متاحًا لكافة الأفراد. فالعائلة تتكتل في ثلاث أو أربع فضاءات جغرافية متباعدة في بعض الأحايين. وكل تكتل يتكون من ثلاث إلى أربع عائلات صغيرة هم في الأصل أخوة وأزواجهم. هذا يعني أن الأسرة الممتدة تفككت إلى حد ما وحلت الأسرة الصغيرة محلها مشكلة النواة الجوهرية لمجتمع المخيم. أما العشيرة فلم يعد لها إلا القليل بجانب الثقافة إياها. ويتصدر الحيز المكاني للوحدة السكنية أسباب التفكك. فهو غير قابل للتقسيم بسبب ضيق مساحته وازدحام غرفه. وبالتالي فهو ليس المكان الملائم لاستقبال أسرة كبيرة. هذا الواقع أجبر الأبناء المتزوجون على الانفصال عن العائلة التي كان المأوى يوحدها. وقد أضعفت الاستقلالية هذه الروابط العائلية. وقوبلت عند الزوجة برضى أكبر مما قوبلت عند الزوج الذي عانى ثقل المسؤولية. فالمرأة تحررت بقدر كبير من الرقابة الدائمة للعائلة الممتدة التي يسيطر عليها الرجال وأصبحت مسؤولة من زوجها أكثر مما هي مسؤولة أمام أقاربها الذكور. كما أنها نجحت في مشاركة الرجل في السلطة، وتمتعت بمنزل مستقل له حرمته وعلاقاته وأسراره. ودافعت عن مكاسبها بكل جرأة وحزم. وكان لغياب وسائل الإنتاج والدخل أثرًا ملحوظًا في مقدار سلطة الأب داخل أسرته، ذلك أن فقدان الأرض والممتلكات والطموح تسببت في تآكل تدريجي للسلطة كلما نجح بعض أو كل أفراد الأسرة في تنمية مصادر الدخل وتنويعها. ولا ريب أن انعدام فرص العمل ووسائل الإنتاج داخل المخيم والاعتماد على إعانة الانروا أدى إلى سيادة ثقافة الكسب القائمة على مبدأ «الشطارة» . ومع الالتزام بمعايير اجتماعية أخلاقية لا يبدو أن هذه الثقافة تقيم أي اعتبار للسن أو الجنس في تحصيل الكسب. ولم يكن للأب اختيار في ذلك، ولكنه كان أكثر المتضررين وأكثر المنتفعين أيضًا. إذ في المسألة جوانب إيجابية. ففي حين تكون العلاقات داخل الأسرة في حالة صراع على السلطة تمس بالمكانات الاجتماعية للأفراد بفعل تغير الأدوار، تبدو في الجانب الآخر عاملًا مهمًا في إحداث التوازن على مستوى العلاقات مع الجوار، خاصة، حين يشكل الدخل الاقتصادي المعيار الأكثر حسمًا في التمايز الاجتماعي والاقتصادي بين سكان المخيم، والمعيار الأكثر أهمية في تحقيق الاستقرار النفسي.