تشتمل التركيبة السكانية في المخيم على غالبية ساحقة من الفلاحين. وفي قطاع غزة يوجد أكثر من 85% من اللاجئين ينحدرون من جذور فلاحية أو بدوية أو أنهم فلاحون لاجئون. وأكثر ما يلفت الانتباه في المخيم تلك التركيبة الاجتماعية فيه التي لم تختف مثلما اختفت التركيبة الجغرافية. فالعشيرة أو العائلة أو الحمولة انتقلت من موطنها الأصلي إلى المخيم تاركة كل شيء إلا الذهنية العشائرية. وفي حدود ما يسمح به الحيز الجغرافي للمخيم استعادت الوحدات الاجتماعية التقليدية تركيبتها الجغرافية. فظهرت «الحارة» التي عبرت عن تجمع بشري يعلن انتماءه إلى العشيرة أو العائلة بحيث يمكن ملاحظة عدد من البيوت المتقاربة يسكنها أفراد عشيرة معينة في جهة أو حيز معين من المخيم. وبحسب كثافة سكانه وقوته تكتسب منطقة التجمع لقب العشيرة فتصبح المنطقة معروفة بـ «حارة فلان» . ولئن ساد هذا الواقع في غالبية المخيمات فلا مناص من الإقرار بوجود ظواهر أخرى مماثلة تمثلت بظهور انتماءات، وإن بدرجة أقل، إلى المدن الفلسطينية. ومثال ذلك في مخيم البقعة في الضفة الشرقية حين لاحظ مسئولو وكالة الغوث في المخيم أن السكان قسموا مناطق سكناهم وتكتلهم حسب المناطق التي كانوا يعيشون فيها في فلسطين. فنجد، مثلًا، منطقة سكنية تعرف بمنطقة نابلس وأخرى بمنطقة القدس وثالثة بمنطقة أريحا ورابعة بمنطقة الخليل وهكذا ... . وما يلفت الانتباه أكثر أن الانتماءات المِنْطَقية سواء للمدينة أو للقرية أو حتى لبعض الأقليات ذات الأصول العربية استعملت في بعض الأحايين أو أكثرها للتعبير عن انتماء عشائري، وغدت بعض العشائر تحمل لقب مدينة أو قرية كانت فيما مضى موطنها في فلسطين [1] . والمهم في المسألة هذه هو البحث عن تفسير لها.
حين العودة إلى آلية اللجوء يمكن القول، عمومًا، أن سكان المخيمات هم نتاج هجرة جماعية لعشائر أو قرى أو أحياء أو مدن بكاملها. وبدافع من الشعور بالخوف والحاجة إلى الأمن اضطر اللاجئون خلال سيرهم إلى التمسك ببعضهم وإبداء قدر عال من التضامن، هذا فضلًا عن أن المخيم بدا فضاءً جغرافيًا واجتماعيًا مغايرًا للريف أو المدينة مما يعني وجوب الحذر. ومع ذلك فمن المؤكد أن الثقافة العشائرية التقليدية من قيم، عادات، تقاليد و فضاء اجتماعي ... الخ. لعبت دورًا حاسمًا في تجاور العائلات اللاجئة في المخيم. ويمكن رد هذه الثقافة إلى القرية أكثر من المدينة باعتبار أن معظم اللاجئين فلاحون. فالقرية تعد نموذجًا مميزًا للتفاعل التاريخي بين الإنسان والأرض، ولقد وجدت حصيلة هذا التفاعل نفسها في صدمة حضارية حادة مع المخيم أو المجتمع الجديد الذي غالبًا ما فاجأ مبناه الاجتماعي واستعمالات الأرض فيه نسق الثقافة الريفي برمته فكان على القرية أن تقاوم أعتى صدمة تتعرض لها في تاريخها. إذ كغيرها من القرى العربية، امتازت القرية الفلسطينية بعلاقاتها التضامنية وتسامحها الشديد حتى غدت أشبه حالًا بعائلة أو حمولة كبيرة اختزنت مع الزمن رصيدا غنيًا من قيم الكرامة والشرف والأخلاق ... الخ وعلى كثرة عدد القرى في فلسطين، غالبًا ما بدت المسافة بين قريتين بعيدة نسبيًا. وربما يفسر هذا تراص بيوت القرية أو على الأقل تقاربها. ولما كان الفضاء الجغرافي المتسع للمنزل يحفظ
(1) بدران (نبيل أيوب) .- التعليم والتحديث في المجتمع العربي الفلسطيني: الجزء الثاني 1948 - 1967 - منظمة التحرير الفلسطينية - بيروت، لبنان - الطبعة الأولى، 1979 - ص44.