فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 413

وهو الأمر الذي يساعد في استمرار سلطة الأب المهددة هي والتراث الطويل من العلاقات الاجتماعية التقليدية. ولكن هل الأب هو الخاسر الوحيد؟

بالرغم من أن العلاقات الاجتماعية داخل المخيم تتأسس على شعور جماعي لدى السكان بأنهم جماعة منكوبة بحيث يسود بينهم مناخ من الوعي بوجوب التضامن وانتظار العودة إلى الوطن واستعادة أملاكهم وكرامتهم وهويتهم تظل المشاكل الاجتماعية خاصة الصراع بين النساء والأولاد أحد أهم مميزات الحياة الاجتماعية في المخيم. ولعل تلاصق البيوت وشدة تقابلها وكثرة الأولاد وجماعية الخدمات هي أبرز الأسباب الظاهرة. فالحياة ودورات المياه والطرقات الفرعية وحتى مداخل المنازل والجدران المشتركة كلها مشتركة الاستعمال. والمقيم في المخيم يدرك أن الشعور بملكية شيء أو التصرف بقدر من الحرية يكاد ينعدم إلا بين جدران الغرف. هذا الوضع الرتيب والممل يولد كبتًا لدى النساء أكثر من الرجال الذين يغادرون المخيم باكرًا بحثًا عن قوت عيالهم ويعودون آخر النهار. والصراعات بين النساء من سباب وشتائم نابية سواء أمام المنازل أو على مجمعات المياه أو في مراكز توزيع الإعالة أو في المستوصف الطبي تبدو في طبيعة الأمر انفجارًا للكبت، وتولد منها صراعات أخرى بين الجيران يجد الرجال والأبناء عمومًا أنفسهم فيها بقصد أو بلا قصد.

في القرية، كان «مجلس الاختيارية» هو الذي ينظم حياة القرية وعلاقاتها الاجتماعية البينية داخليًا ومع القرى المجاورة ومع السلطة إلا أن المجلس اندثر ولم يعد له أي وجود في المخيم لا كهيكل سياسي ولا كهيكل اجتماعي. فالمخيم مجموعة كبيرة من القرى والمدن والأحياء. وكثير من الأعضاء الذين كانوا من الوجهاء والشيوخ والكبار في قراهم فقدوا، بسبب تشتت العائلة الواحدة واختلاف المكان، مكاناتهم السابقة. ومن نجح في ذلك يعود لعلاقة قانونية، على الأغلب، بينه وبين اللاجئين كمختار سابق يرتبط أفراد قريته به في مسائل تخص صكوك ملكية أو عقود زواج ... الخ وبعض هؤلاء احتفظ بمكانته بتكليف من السلطات الحكومية، فهو ممثلها الأول في المخيم مثلما كان في القرية. مثل هؤلاء هم من يمثلون السلطة الاجتماعية عوضًا عن مجلس الاختيارية، وهم الذين يهتمون بالتعاون مع ذوي النفوذ في المخيم (رجال دين، شيوخ سابقين، وكبار أطراف المشكلة ... ) بمعالجة المشاكل الاجتماعية ومحاصرتها، وتقديم تقارير وتوصيات للسلطات بخصوص الوضع الأمني والنظام العام والسلم الاجتماعي بين السكان، وبتبليغهم أوامر وتعليمات الحكومة في أوقات السلم كما في أوقات الحرب. أما المختار الذي يؤدي خدمات قانونية للسكان فلا يملك أية سلطة جبرية ضد أي فرد أو جماعة. ومع ذلك فهو الشخصية الأكثر فاعلية وحضورًا في المخيم أكثر من أي وقت مضى خاصة في مخيمات الضفة الغربية وقطاع غزة.

هذا هو تكوين المخيم وبنية العلاقات الداخلية فيه، لكن كيف تبدو علاقات المخيم مع محيطه المحلي أو مع المخيمات الأخرى؟ هل هي علاقات صراعية أم انطوائية؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت