? عجز الجمعيات عن مجاراة العمل السياسي لأن مؤسسيها من الفلسطينيين كانوا هم ذاتهم قادة الأحزاب السياسية [1] الناهضة. ولا شك أن المركز ضغط باتجاه الحد من نشاطها بدلا من دعمها، فاضطر قادتها إلى تأسيس الأحزاب السياسية والوطنية بعيدا عن الوصاية المصرية وضغوطها.
غير أن هذه النهاية لم تكن لتعن قطيعة مع المركز بقدر ما عززت من توجهات بعض الرموز الإسلامية الأخرى في مصر نحو فلسطين. فقد كان الشيخ حسن البنا عضوا في الجمعية قبل تأسيسه لجماعة «الإخوان المسلمين» وصديقا لمؤسسيها وعلى رأسهم محب الدين الخطيب الذي صار أحد الأعمدة الكبرى للجماعة. ولما زار «البنا» فلسطين (1927) واجتمع بالحاج أمين الحسيني كان عضوا بالجمعية وظل كذلك [2] حتى اغتياله (1949) ؛ وأمام المبنى المركزي لها. ولقد حلت جماعة «الإخوان المسلمين» بديلا عن جمعية الشبان المسلمين. وكان من الطبيعي على جماعة ناشئة أقل نفوذا من جمعية الشبان المسلمين أن تركز جهودها في سنوات التكوين الأولى على التعريف بالدعوة والتأطير دون أن تلتفت كثيرا إلى القضايا الوطنية أو القومية. لذا خلت النصوص الأولى من أي ذكر لفلسطين أو اهتمام مباشر بها بالرغم من العلاقة الوطيدة بين «البنا» و «الحسيني» . ولكن ابتداء من المؤتمر الثالث للجماعة (آذار/مارس 1935) والذي حدد مراتب العضوية الناجم عن التوسع التنظيمي جاء ذكر فلسطين واضحا بحيث شكلت القضية الفلسطينية المدخل الحاسم في عبور جديد للحدود نحو بلاد الشام وبلدان عربية أخرى. وعمليا شكلت الجماعة وفدا من شقيق البنا، عبد الرحمن الساعاتي [3] ومحمد أسعد الحكيم اللذان زارا فلسطين بمعية الشيخ التونسي عبد العزيز الثعالبي بهدف تكوين شُعَب [4] للجماعة التي كانت أخبارها تصل فلسطين عبر «مجلة الإخوان المسلمين» فضلا عن رُسُل الجماعة الذين بشروا بها عن طريق المساجد في فلسطين وإلقاء المحاضرات وعقْد اللقاءات. ولما وصل الوفد لقي ترحيبا شديدا من قبل الحاج أمين الحسيني الذي زوده بخطابات لتسهيل مهمته وتعريف رؤساء الهيئات والجماعات به في البلدان التي سيزورها [5] .
ويبدو أن اندلاع الثورة الكبرى في فلسطين (1936 - 1939) ثم نشوب الحرب العالمية الثانية حالا دون أية جهود لتأسيس الشُّعب. إلا أن الجماعة انتشرت في فترة قياسية (1943 - 1947) [6] . إذ تشكلت نحو عشرين شُعبة
(1) نفس المرجع.- ص 190.
(2) البنا (حسن) .- مذكرات الدعوة ... - مصدر سابق - ص 92.
(3) ("الساعاتي"كنية تخص والد"البنا"الذي امتهن تصليح الساعات.
(4) (("الشُّعبة"هي إطار تنظيمي موسع يشمل عناصر الجماعة في منطقة معينة. أما داخل الشعبة فالإطار التنظيمي هو"الأسرة".
(5) نفس المصدر.- ص 268 - 269.
(6) ميتشل (ريتشارد) .- الإخوان المسلمون - مرجع سابق - ص 142. وكذلك: صالح (محسن) .- الطريق إلى القدس ... - مرجع سابق - ص 150.