فهرس الكتاب

الصفحة 352 من 413

ثمة من يعيد نشأة «الإخوان المسلمين» في مصر (1928) والجماعة الإسلامية في الباكستان «الهند» (1941) بقيادة الشيخ أبي الأعلى المودودي إلى الفراغ الكبير الذي أحدثه انهيار الخلافة العثمانية وإعلان استقلال تركيا الحديثة على يد مصطفى كمال (أتاتورك) سنة1924 [1] . وإذا اتفق على هذا التفسير فهو رد سريع على الاختراق الغربي للإسلام إزاء الهجمة الحضارية التي نالت منه منذ مطلع القرن العشرين. والملفت للانتباه أن «البنا» حين أيقن عظمة التحدي الذي مس الإسلام من الداخل أفرادًا وجماعات وبنىً ومؤسسات وثقافات لم يتراجع أو ينكفئ بل صَعّد من وسائل عمله محذرا من اليأس واللامبالاة ومتوعدا باستعمال القوة وملاحقة الغزاة حتى عقر دارهم. في المقابل، لسنا بحاجة إلى التذكير بموقف «الإخوان» الذين تعللوا بطغيان الفكر القومي أو الماركسي أو الوطني. وهي الأفكار التي يُزعم أنها المسئولة عن إقصاء الإخوان عن ساحات العمل والمواجهة. فهل يستقيم هذا الموقف والنهج الإصلاحي بينما فلسطين مغتصبة أو محتلة والشعب الفلسطيني مستفز ومشتت في أنحاء مختلفة من العالم.

? الوطنية والإسلام

من الشائع أن الإسلاميين لا يعترفون بالوطنية إلا في نطاق المفهوم الإسلامي الذي ينفي الحدود الجغرافية عن الوطن الإسلامي معتبرا إياه كل بقعة يعيش عليها المسلمون في هذه الأرض. فدار الإسلام حيث وُجد المسلمون. وهذا صحيح. وهو ما تعتقد به الجماعة الأم، إذ أن: «كل بقعة فيها مسلم .. وطن عندنا له حرمته وقداسته وحبه والإخلاص له والجهاد في سبيل خيره. وكل المسلمين في هذه الأقطار الجغرافية أهلنا وإخواننا نهتم لهم ونشعر بشعورهم ونحس بإحساسهم» . أما خلاف الجماعة مع دعاة الوطنية فيخص أولئك الذين «لا يعنيهم إلا أمر تلك البقعة المحدودة الضيقة من رقعة الأرض .. وفيما نطلب القوة لنا جميعا .. فلا نرضى ذلك على حساب أي قطر إسلامي» . هذا الفهم أتاح للجماعة التوسع والقتال في فلسطين. كما أتاح في نفس الوقت الاهتمام في الوطن المحدد جغرافيا خاصة عندما يتعلق الأمر في الجهاد للتخلص من الاستعمار أو في تنميته وازدهاره. والتركيز على بقعة محددة: «عند الإخوان المسلمين بعض الطريق فقط .. ليبقى بعد ذلك أن يعملوا لترتفع راية الوطن الإسلامي على كل بقاع الأرض» [2] .

وقبل أن ترتقي القضية الفلسطينية في عُرف الجماعة في فلسطين كقضية مركزية لم تكن مكانتها قبل ذلك إلا واحدة من قضايا الوطن الإسلامي والأمة الإسلامية. وبالتأكيد لم يكن هذا الفهم الشائع ليرضي خصوم الجماعة من القوى الوطنية العلمانية التي ساءها التحمس للجهاد الأفغاني -مثلا - فيما الأوْلى اقتحام ميدان الجهاد في فلسطين [3] . وتناست الجماعة أن «الإخوان المسلمين» زمن «البنا» لم يعودوا يكتفوا بالتحدث عن

(1) النبي المسلح.- الثائرون (2) - مرجع سابق - ص 59.

(2) الرسائل.- دعوتنا - ص 26.

(3) أبو عمرو (زياد) .- الحركة الإسلامية في الضفة وقطاع غزه ... - مرجع سابق / ص19 - 21. لاحظ خلال ذلك استعراض الباحث لمواقف أنصار الجماعة التي يوردها حول الموقف من القضية الفلسطينية في ضوء فهم الجماعة الإسلامي لمسألة الوطنية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت