فهرس الكتاب

الصفحة 351 من 413

بمقتضى الفلسفة الإصلاحية يلاحظ على الجماعة في فلسطين أنها عملت كما لو أنها جماعة مستجدة عديمة المرجعية والخبرة. لقد كان من المبرر أن تعيد الجماعة بناءها التنظيمي بعد المحن التي أصابتها ولكن أن تمارس انتقاء على تراث الجماعة الأم كاختيارها للفلسفة الإصلاحية وابتعادها عن العمل المسلح فهو ما لم يوجد نظير له إلا بعد العام1954. لماذا؟ لأن الجماعة باتت بحاجة إلى خطاب جديد، ولا بد من شرعية تاريخية أو حتى كاريزمية تغطي الاختيارات الجديدة بل وتبررها. ولا نستبعد في هذا السياق أن يكون الموقف إزاء الثورة أو الدعوة لعدم التعجل قد استعملت لهذا الغرض الذي كاد أن يفضي بالجماعة في فلسطين إلى التخلي عن تراث الجماعة الأم وتحويلها إلى حركة إصلاحية سلمية مثلما هو الحال في مصر ودول أخرى حيث لا للجهاد ولا للفكر الجهادي أي حضور. وإذا ما قارنا بعضًا من أطروحات الجماعة في العهد الإصلاحي مع تراث الجماعة الأم فيما يتعلق بالجهاد فسيتبين لنا كما لو أننا إزاء تبريرات مختلفة ليس لها أساس وليس صحيحا أنها إشكاليات أمكن حلها أو التغلب عليها.

? التمكين والتحرير

إن مسألة الجهاد حضرت في معظم رسائل حسن البنا إن لم يكن فيها جميعها. ومع ذلك فقد أفرد لها رسالة خاصة عرفت بـ «رسالة الجهاد» . ولم يكن التحضير له ليعني «التمكين» مثلما لم تكن ممارسته في حرب فلسطين الأولى إيذانا ببدء مرحلة «التحرير» . فالجهاد ابتدأ مع انطلاقة الدعوة. ولما كانت القضية الفلسطينية بنظر مصر وأحزابها قضية خارجية لا تعنيهم أو ثانوية في أحسن الأحوال كانت الجماعة تنفرد بإرسال التبرعات إلى فلسطين وتبعث بالمذكرات [1] وتنظم الاحتجاجات الشعبية وتهرب السلاح وتشترك في القتال مع بقايا مجموعات «الجهادية» خلال الثورة الكبرى في فلسطين سنة 1936 [2] . ولم تكن تتعلل بـ «التمكين» وهي لما تزل في طور التكوين والتنظيم. أما رد «البنا» على ما أسماهم بـ «المتعجلين» فلم يكن ذلك ليعن «التأجيل» بحيث يشكل موقفه هذا سابقة. إذ أن الرد كان مشروطا وصريحا وعاما وعلنيا ومحددا ومشجعا على «التعجيل» ومُطَمْئنا في ربطه الخطوة التنفيذية بجهود القاعدة وليس بالمحتوى النظري للدعوة ولا بالقيادة. لذا لم يكن الموقف فضفاضا أو لا نهائيا أو احتكاريا. بل إن الجهاز العسكري السري للجماعة والذي اشتهر بـ «النظام الخاص» لم يقع تشكيله إلا من أجل فلسطين والقضية الفلسطينية. وحين تشكَّل كان حرصا من «البنا» وقادة الجماعة على نصرة الفلسطينيين. ولم يكن بدافع من الضغوط أو الخروج على الدعوة لا هو ولا غيره من التنظيمات العسكرية أو شبه العسكرية. أليس من المشروع أن نتساءل: لماذا لم تتأسس «كتائب عز الدين القسام» سرا قبل ظهورها المتأخر بنفس الصفة ومثلما فعلت الجماعة الأم سابقا وحتى بذات الطريقة التي ظهرت فيها «حماس» ؟

? الفكر الغربي

(1) البنا (حسن) .- مذكرات الدعوة ... - مصدر سابق/ ص 279 - 286.

(2) ميتشل (ريتشارد) .- الإخوان المسلمون - مرجع سابق - ص 142.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت