فهرس الكتاب

الصفحة 350 من 413

من الواضح أن الجماعة توجه إنذارا صريحا للسلطة بيد أنها تدرك الفرق بين الشعور بالقوة وبين استعمالها. إذ أن الخطوة التنفيذية لم يحن أوانها بعد. لذا لا بد من المصارحة والرد على المتعجلين، ذلك أن «ميدان القول غير ميدان الخيال، وميدان العمل غير ميدان القول، وميدان الجهاد غير ميدان العمل، وميدان الجهاد الحق غير ميدان الجهاد الخاطئ» . إذن لا بد من إعداد جيد: «وفي الوقت الذي يكون فيه منكم - معشر الإخوان المسلمين - ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسها روحيا بالإيمان والعقيدة، وفكريا بالعلم والثقافة، وجسميا بالتدريب والرياضة، في هذا الوقت طالبوني بأن أخوض بكم لجج البحار، وأقتحم بكم عنان السماء، وأغزو بكم كل عنيد جبار، فإني فاعل إن شاء الله ... إني أُقدِّر وقتا ليس طويلا ... وقد تستطيعون أنتم معشر نواب الإخوان ومندوبيهم أن تُقَصِّروا هذا الأجل إذا بذلتم همتكم وضاعفتم جهودكم ... فلا تضيعوا دقيقة بغير عمل» [1] .

ولم تمض بضعة شهور على انعقاد المؤتمر الخامس حتى جاهرت الجماعة بصعوبة تحقيق الإصلاح سلما أو عن طريق القصر. واعترفت: «بأن موجة قوية جارفة وتيارا شديدا دفاقا قد طغى على العقول والأفكار في غفلة من الزمن وفي غرور من أمم الإسلام» ، وبعظم التحديات التي تواجه الجماعة حيث: «قامت مبادئ أو دعوات وظهرت نظم وفلسفات وتأسست حضارات ومدنيات ونافست هذه كلها فكرة الإسلام في نفوس أبنائها وغزت أممه في عقر دارها وأحاطت بهم من كل مكان وانخدعت بها دول كانت في الصميم والذؤابة من دول الإسلام» ، وأسوأ من ذلك لما: «نشأ في كل الأمم الإسلامية جيل مخضرم. إلى غير الإسلام أقرب .. احتل مكان الزعامة .. وارتفعت الأصوات: أنْ خلصونا مما بقي من الإسلام وآثار الإسلام» [2] . هكذا فقدت الجماعة ثقتها بالحكام لأنهم: «تربوا في أحضان الأجانب .. ولا نبالغ إذا قلنا أن الفكرة الاستقلالية في تصريف الشؤون والأعمال لم تخطر ببالهم فضلا عن أن تكون منهاج عملهم» ، وبالرغم من أننا: «تقدمنا بهذه الأمنية إلى كثير من الحاكمين في مصر فكان طبيعيا ألا يكون لهذه الأمنية أثر عملي .. وفاقد الشيء لا يعطيه» [3] . لذا، فإن مهمة الجماعة: «أن تقف بوجه هذه الموجه الطاغية من مدنية المادة وحضارة المتع والشهوات التي جرفت الشعوب الإسلامية .. حتى تنحسر عن أرضنا .. بل سنلاحقها في أرضها وسنغزوها في عقر دارها» [4] . ومن يتهم الجماعة باليأس فليعلم: «أن الدعوة لا تنتصر إلا بالجهاد والتضحية والبذل وتقديم النفس والمال» . كما أن الجماعة لم تعد تتحدث عن إصلاح الأمة الإسلامية فحسب بل عن «مصر أولا» [5] ، والنظر إليها نقطة انطلاق. وقد ترافق هذا الاختيار الجديد مع توجه «البنا» إلى الشروع بعروض مسهبة للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي تعانيها مصر وفقرائها لاسيما شرائح الفلاحين المعدمة [6] . والسؤال: هل هذا هو تراث الجماعة في فلسطين وغيرها من البلدان العربية والإسلامية؟

(1) نفس المصدر.- ص 181.

(2) نفس المصدر.- رسالة القرآن - ص 113.

(3) نفس المصدر.- ص 121.

(4) نفس المصدر.- ص 113.

(5) نفس المصدر.- ص 117.

(6) نفس المصدر.- ص 116 - 115. وكذلك: نفس المصدر.- رسالة بين الأمس واليوم.- ص 160.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت