الروحية على القوة المادية لم يثنها عن الانخراط في ممارسة العمل السياسي [1] ولا عن التهيؤ للجهاد. فقد كانت الفرق الرياضية الأولى التي أنشئت في مدينة الإسماعيلية (1928) ثم «الجوالة 1935» و «الكتائب-1937» وأخيرا «الأُسر» و «النظام الخاص» ، في الأربعينات، كلها تنظيمات ذات أهداف عسكرية أنشئت في خضم الدعوة والعمل الإصلاحي.
ولما انعقد المؤتمر الثالث (آذار/ مارس1935) جرى التعرض لمعالجة المسائل التنظيمية الناجمة عن ازدياد العضوية وما تتطلبه من مبادئ ومسؤوليات. كما نظر المؤتمر في التنظيم القيادي وهيكل الإدارة وتثبيت الولاء وإيجاد أداة لتنفيذ أفكار الجماعة. وفي هذا السياق وقع إقرار تشكيلات الجوالة (الكشافة) . أما حين انعقاد المؤتمر الخامس (1938/ 1939) [2] فالتركيز انصب على توجيه التنظيمات الداخلية التي وصفها «البنا» بالمرحلة الثانية، مرحلة التكوين والاختيار والإعداد [3] . وفي رسالة المؤتمر الخامس نلحظ تعريفين الأول يحدد هوية الجماعة بأنها «رسالة سلفية وطريقة سنية وحقيقة صوفية وهيئة سياسية ومنظمة رياضية ووحدة ثقافية تعليمية وشركة اقتصادية وفكرة اجتماعية» [4] . أما الثاني فيحدَّد فيه محتوى «إسلام الإخوان المسلمين» إذ تعتقد الجماعة: «أن أحكام الإسلام وتعاليمه شاملة تنتظم شؤون الناس في الدنيا وفي الآخرة، وأن الذين يظنون أن هذه التعاليم إنما تتناول الناحية العبادية أو الروحية دون غيرها من النواحي مخطئون في هذا الظن، فالإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية ودين ودولة، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف» [5] . وإزاء التضخم التنظيمي والمؤسساتي والفكري للجماعة أخذت الأصوات تتعالى عن الأهداف والخطوات المقبلة متسائلة: «هل في عزم الإخوان المسلمين أن يستخدموا القوة في تحقيق أغراضهم والوصول إلى غاياتهم؟ وهل يفكر الإخوان المسلمون في إعداد ثورة عامة على النظام السياسي أو الاجتماعي في مصر؟» لنستمع لإجابة «البنا» على هذه الأسئلة:
«إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة ... وسيكونون شرفاء صرحاء وسينذرون أولا .. أما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها، ولا يعتمدون عليها، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها، وإن كانوا يصارحون كل حكومة في مصر بأن الحال إذا دامت على هذا المنوال ولم يفكر أولو الأمر في إصلاح عاجل وعلاج سريع لهذه المشاكل، فسيؤدي ذلك حتما إلى ثورة ليست من عمل الإخوان المسلمين ولا من دعوتهم، ولكن من ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال، وإهمال مرافق الإصلاح. وليست هذه المشاكل التي تتعقد بمرور الزمن ويستفحل أمرها بمضي الأيام إلا نذيرا من هذه النذر، فليسرع المنقذون بالأعمال» [6] .
(1) اعترفت الجماعة بمزاولتها النشاط السياسي لأول مرة في أول عدد صدر لمجلة"النذير"في شهر أيار/مايو سنة 1938.نفس المرجع.- ص 88.
(2) انعقد المؤتمر الرابع سنة 1937 لغاية محددة وهي الاحتفال بتنصيب الملك فاروق ملكا على مصر بعد عام من وفاة والده.
(3) ميتشل (ريتشارد) .- الإخوان المسلمون - مرجع سابق - ص88.
(4) الرسائل.- رسالة المؤتمر الخامس / ص 174 - 175.
(5) نفس المصدر.- ص 171.
(6) نفس المصدر.- ص 189 - 190.