فهرس الكتاب

الصفحة 286 من 413

الطرح الماركسي» [1] . وفي «الداخل» بعد أن استقرت الأوضاع داخل السجون فقد بادر عناصر المنظمات الماركسية، خاصة ذوو الأحكام الطويلة ممن لم يعد يعنيهم انكشاف أمرهم أمام السلطات الإسرائيلية ولم يعد لديهم ما يخسرونه، بادروا في الكشف عن «الأطروحات المخبأة» عبر محاضرات منظمة تُقدَّم على أنها حلقات دراسية تثقيفية الهدف منها إعداد الأنصار وتأهيلهم لاستئناف نشاطهم بعد الإفراج عنهم لتوسيع الخلايا التنظيمية في الخارج. وقد دأب كل تنظيم يثقف أنصاره طبقا لأيديولوجيته وهو الأمر الذي تتيحه المعايير السائدة بين السجناء. وكانت ردة الفعل القوية من عناصر قوات التحرير الشعبية على ما اعتبر هجمة إلحادية على الدين من العناصر اللامنتمية تنظيميا ومن بعض عناصر حركة «فتح» وتلك القريبة إليها. إذ رأى هؤلاء أنه باسم الأيديولوجيا يجري تخييرهم باتخاذ موقف محدد إما «الإيمان» والدفاع عن «الفطرة» ، أو «الإلحاد» والدخول في كفر بواح. ولا شك أنها مسألة مثيرة للمشاعر وشديدة الوقع كونها تنطوي على مساس حاد بالعقيدة والفطرة، بل أنها صدمة حضارية غير مسبوقة أو منتظرة. لذا شرعت مجموعة من السجناء بالالتفاف على بعضها وتشكيل ما يشبه «تجمع إسلامي» ، وهو التسمية الأولى التي ظهرت سنة 1970. وكانت الغاية منه تقتصر على إلقاء دروس دينية محدودة هدفها الإحاطة بالإسلام وتعلم الفروض والواجبات الدينية ولم تكن تُعبِّر عن تحول أيديولوجي [2] . وقبل أن تسمح إسرائيل بإدخال «القرآن» والكتب الإسلامية كـ «فقه السنة» لسيد سابق أو «جدد حياتك» و «في موكب الدعوة» لمحمد الغزالي تلقى السجناء من ذويهم وزوارهم كتبا إسلامية منسوخة باليد.

وفي مقابل الـ «تجمع» شعر الماركسيون بالاستفزاز فقاموا بحركة مضادة عبر حلقات دراسية موسعة جاهروا فيها بأطروحاتهم مركزين على وجوب الاختيار بين «الإيمان والإلحاد» أو بين «التقدمية والرجعية» وما شابه ذلك من مفردات الصراع. وتبع الحملة انضمام كل التنظيمات إليها بما فيها حركة «فتح» . وتقرر فرض مقاطعة تامة على ما بات يطلق عليهم لقب «المنفلشين» [3] في وقت متأخر. وترتب على ذلك عدم مجالستهم أو محاورتهم أو الحديث إليهم أو قبول اقتراحاتهم أو تناول الطعام معهم أو الخروج معهم في فترة «الفَوْرَة» [4] أو الاشتراك معهم بأي نشاط أو حتى إلقاء التحية عليهم. فكانت المقاطعة مؤلمة لم تترك لهم أي اختيار إلا التماسك لحماية أنفسهم. غير أنهم نجحوا في فك العزلة عبر المتعاطفين معهم من بين التنظيمات. واستطاعوا تجنيد عدد من أفراد المنظمات المتعاطفين معهم لتزويدهم بالأخبار والقرارات وكذلك تجنيد المناصرين وعدم الإفصاح عنهم ليكونوا على اطلاع بما يجري داخل الحركة الأسيرة مما ساعدهم على الصمود [5] . أما سلطات السجون فسرّها الموقف. وفي هذا السياق أدخلت احتياجات الفريقين والأطراف كافة من الكتب والنشريات خاصة

(1) صلاح الدين (خالد) .- الحلقة المفقودة بين الثورة الفلسطينية والاتجاه الإسلامي: نحو استراتيجية إسلامية ثورية - دون مكان للنشر. ويرجح أنه لبنان - 1982، علما أن الكتاب صدر للمرة الأولى سنة 1972.

(2) مقابلة مع يوسف عمرو / وعبد الحليم شهاب - 18/ 2/1999.

(3) (أُطلق اللقب على الجماعة سنة 1980 من قبل أبو علي شاهين مفوض السجون في الداخل وقبل أن يفرج عنه بقليل. - مصادر متعددة.

(4) (( هي الساعة المخصصة للسجناء في الصباح للخروج إلى الساحة العامة حيث الشمس والهواء النقي.

(5) استطاعوا عبر هذه الآلية إقناع السجناء بتنظيم أول إضراب عن الطعام في سجن عسقلان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت