بمعنى أن حقل التاريخانية، وليس المجال الجغرافي ولا هيمنة الدولة على المجتمع ولا الصراع الطبقي التقليدي ... الخ هو الذي يحدد اختيارات المجتمع وسيره وإنتاجه وإعادة إنتاجه لنفسه. فللمجتمعات دائما نشاطاتها وشغلها وعلاقاتها البينية التي تظل بمنأى عن تدخل الدولة والقوى المهيمنة، وهنا يكمن سر اشتغال المجتمعات، إذ أن حضور المجتمع واشتغاله ليس رهنا بضعف أو نفاذ هذه القوة أو تلك. فأين تقع المشكلة إذن؟
لعلها تقع حصرا في الواقع الفلسطيني. فإذا كانت الثورة ترتبط، لا محالة، بمجال اجتماعي محدد فالأجدى أن نسعى إلى تأطير الواقع الفلسطيني بحيث يستجيب للنظرية الاجتماعية. ففي الغالب يُفهم المجتمع على أنه كينونة مادية تشتمل، بالضرورة، على أفراد وجماعات يعبرون بمستوى ثقافي معين عن الرغبة (في) أو الحاجة (إلى) الاجتماع والتجمع بهدف العيش المشترك في بقعة جغرافية معينة. ولكن إذا حيَّدنا العبارة الأخيرة (البقعة الجغرافية) فماذا نتوقع؟ بعبارة أخرى: هل يفقد المجتمع وجوده إذا خسر الحيز الجغرافي الذي يرغب العيش فيه [1] ؟
لا ريب أننا بصدد تعريف محدد لـ «الأرض» ، وهو أمر بالغ الصعوبة. ومع ذلك يمكننا القول، على الأقل، أنها تمثل المساحة الاجتماعية والحضارية المحددة من الجغرافيا. وهذا يعني الوصول بالتفاعل السكاني مع الأرض إلى حيث الذروة في الزمان بحيث تبيت الأرض مخزنا للتاريخ والثقافة وإجمالي التصورات والرموز والمكاسب والمخاسر ... الخ إنها بمحتوى آخر كل الذاكرة الجماعية والمخيال الاجتماعي ماضيا وحاضرا ومستقبلا. لذا فقيمتها تتحدد بالحدث الاجتماعي والديني الواقع عليها. ولمّا يقع تفكيك المجتمع قسرا فمن المؤكد أنه سيحتفظ بقيمته كاملة وإلا غدت الأرض، عند أدنى هزة، بلا تاريخ. هذا يعني أن المجتمع عند الفلسطينيين لم يندثر بالرغم من تفككه جغرافيا وديمغرافيا، فعلى الجانب الآخر بات يعبر عن تركيبة ذهنية سليمة بل مستنفِرة في أقصى حالاتها، وتغذيها وضعية الشتات الديمغرافي المُثقَل بمشاعر الحرمان والاضطهاد والقهر والتهديد بالفناء.
إلى هنا تتبدى لنا ملامح المجال الاجتماعي للثورة والذي يتشكل (أولا) من التفاعل بين الواقع الفلسطيني الجديد من جهة والواقع الاجتماعي العربي المحيط من الجهة الثانية والذي تجلى بسلسلة من التجمعات المحملة بمسميات عدة. وعلى امتداد صفحات البحث من الواجب بيان المصطلحات التي سنستعملها للتعبير عن الواقع الاجتماعي الفلسطيني والذي يشكل المجال الاجتماعي المركزي للثورة وللجماعات الإسلامية ومثلهما:
أولا: المجتمع المفقود
(1) هنا نلتقي مع النسقية المعاصرة التي تحاول إعادة قراءة تراث"بارسونز".فهذا التيار يعتقد بنظرية النسق المفتوح Open System"". وينقل"كريب"عن"أنتوني جدنز"القول:"أننا نخطئ حين نفكر بالمجتمعات واستمرارها ... ="
= كما لو أنها تحدها الحدود الجغرافية"وما يفضله هو الحديث عن"أنساق مفتوحة".لدى: كريب (إيان) .- النظرية الاجتماعية ... - المرجع السابق - ص178."