فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 413

غضاضة خلال السنوات الأولى التي أعقبت الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة إلا حين لاح في الأفق تحولات أيديولوجية تدريجية منذ مطلع الثمانينات أسفرت عن اندراج الجماعة في قلب المواجهة المسلحة. ومع ذلك فليس من المستبعد أن يكون تضخم الجماعة جماهيريا وتنظيميا متصلا اتصالا مباشرا في الأزمات الشاملة التي يعيشها المجتمع الفلسطيني. ومن المفارقات التاريخية أن تتبادل إسرائيل وبعض الشرائح القيادية في منظمة التحرير الفلسطينية الاتهامات حول المسؤولية عن نمو الظاهرة الجهادية ولو بطابعها الوطني.

فالثابت موضوعيا أن «السرايا» هي المسؤولة عن إطلاق شرارة الجهاد الإسلامي في فلسطين علنا ابتداءً من منتصف شهر تشرين أول/أكتوبر سنة1986. أما جماعة «الإخوان المسلمين» فقد لحقت بالظاهرة الجهادية مع اندلاع الانتفاضة الشعبية في أواخر سنة1987. ولما يكن الأمر كذلك فحريٌ بنا أن نتساءل، أولا، عن ماهية «السرايا» إزاء التخبط الكبير الذي رافق نشأتها وحتى تفككها واختفائها، وثانيا، عما إذا كان من الممكن أن تشكل مدخلا ملائما للتعرف على الظاهرة الجهادية وقراءتها من الداخل؟ وفي مرحلة لاحقة علينا أن نسائل جماعة «الإخوان المسلمين» عن الأسباب التي أدت إلى الابتعاد عن الكفاح المسلح وتأخير انطلاق الظاهرة الجهادية في فلسطين؟ وبماذا نفسر استئنافها للجهاد؟ أهي مِحَن الجماعة الأم وانعكاسها على الفروع؟ أم طغيان الفلسفة الإصلاحية؟ أم هو الحرج السياسي والأيديولوجي الذي تسببت به «السرايا» وأسفر عن وضع حد للتردد والجدل المزمن داخل الجماعة حول إشكالية «التأجيل» و «التعجيل» أو ما يعبَّر عنه في الأدبيات الإسلامية بجدلية «المفاصلة» و «المنازلة» ؟

على كل حال فإذا كنا قد تبينا، إلى حد ما، مكانة الحركة الوطنية الفلسطينية إجمالا كحركة تحرر إلا أن تحديدا للمجال الاجتماعي لها ما زال أمرا شائكا، ذلك أن جر الشعب الفلسطيني إلى خوض حرب تحريرية وهو في حالة شتات فاقدا للجغرافيا والوحدة الديمغرافية، وهما الشرطان الأهم، مسألة جد معقدة، أفلا يستحق المجال الاجتماعي مزيدا من التحري؟

مما لم يعد ينكر، حتى الآن، أنه لا وجود في علم الاجتماع لنظرية واحدة فيها تعريف أو حدود أو معايير مضبوطة للمجتمع بحيث يمكن تقديمه بوصفه كينونة قائمة بحد ذاتها، أي منفصلة نظريا عن الظاهرة الاجتماعية. والشائع أن علم الاجتماع يتعامل مع المجتمع باعتباره حقلا للظواهر الاجتماعية وليس لكونه يتمتع بماهية ووجود مستقل عنها [1] . وحسب «ألن تورين» فالمجتمعات عنده تظل، مهما كانت ضعيفة، ذات تاريخية.

(1) يشير عالم اجتماع بريطاني"أن إحدى الطرق التقليدية في تقسيم النظريات الاجتماعية هي، التفريق بين النظريات"الكلية"والنظريات"الفردية". فالأولى تبدأ"بالمجتمع"ككل معتبرة إياه شيئ أكبر من مجموع المكونين له. وعلى هذا تُرى أفعال الأفراد باعتبارها أفعالا يحددها المجتمع الذي يشكلون جزء منه. أما الاتجاه الآخر فإنه يبدأ بالأفراد ويرى المجتمع نتاجا لأفعالهم. وثمة اتجاه ثالث توفيقي يرى"أن الأفراد يخلقون المجتمعات والمجتمعات تخلق الأفراد". يمكن مراجعة: كريب (إيان) .- النظرية الاجتماعية: من بارسونز إلى هابرماس - المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - الكويت - سلسلة عالم المعرفة، شهرية / 244 - ترجمة: محمد حسين غلوم، مراجعة: محمد عصفور - نيسان، أفريل 1999 - ص245."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت