فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 413

ألا توحي هذه التساؤلات أن الانطلاقة الأولى، أيا كانت مضامينها الأيديولوجية، ربما لم تكن لتقو على أن تكون أكثر من بديل عن الشتات، أما أن تكون ثورة تحريرية طويلة الأمد فهي مسألة تحتاج، بالقطع، إلى التحقق منها؟

إلى هنا نكون بصدد التساؤل عن ماهية الجماعات الإسلامية بوصفها الوجه الآخر للحركة الوطنية الفلسطينية. وليس ثمة حرج إذا قلنا أن مساءلة الجماعات العلمانية لا تحرر الجماعات الإسلامية من المسئولية. فعلى المستوى الأيديولوجي تقدم الظاهرة الجهادية نفسها كبديل عن ظاهرة المقاومة الفلسطينية العلمانية التي فشلت مقالتها السياسية والأيديولوجية والحربية في التعامل مع القضية الفلسطينية.

إن تعبير الظاهرة الجهادية نستعمله، هنا، للتمييز بين الجماعات الدعوية والإصلاحية والجماعات التي تمارس الكفاح المسلح «الجهاد الإسلامي» ضد إسرائيل وتحصر نشاطاتها داخل فلسطين التاريخية. وهي جماعات تعتقد بالحل الإسلامي بديلا عن كل الأطروحات الأيديولوجية العلمانية الأخرى أيا كان مصدرها ومهما كان محتواها، وكذلك بديلا عن الأطروحات الإسلامية ذات النهج السلمي أو الانقلابي أو المؤجِّل للمواجهة المسلحة. لذا فان البحث سيقتصر على جماعتين هما «سرايا الجهاد الإسلامي- السرايا» و «الإخوان المسلمين - حركة حماس» حيث باتت الثانية تقدم نفسها كإجمالي للظاهرة الجهادية ورمز لاستمرارها.

وحين البحث في تاريخية الجماعتين، أي الكشف عن المحصلة التاريخية والأيديولوجية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية لظهورهما فلا نتوقع سوى حزمة ضخمة من العقبات خاصة فيما يتعلق بالتأطير المنهجي لهما. إذ لكل منهما تاريخية مختلفة عن الأخرى ومناقضة أحيانا ومتشابكة أيضا وذات علاقات معقدة ومتشعبة تمس ظاهرة المقاومة الفلسطينية في العمق لاسيما حركة «فتح» ، كما تمس بالقدر ذاته كل الحركة الإسلامية العالمية على اختلاف مدارسها جماعات وأفراد. ورغم ذلك فالجهد العسكري والأيديولوجي وغيره من الجهود لا يتعدى حدود فلسطين. وهذا ما قد يؤشر على أن الفرضيات التقليدية من قبيل التي ترى: «أن الحركات - الإسلامية - وظهورها، كثيرا ما كانا متلازمين مع الأزمات التاريخية التي يتعرض لها المجتمع .. وأن هذا التلازم يكشف عن العلاقة الهيكلية بين هذه الحركات وطبيعة الفترة التاريخية التي نشأت فيها» [1] قد لا تنطبق، مثلا، على «السرايا» بينما يبدو مفعولها محدودا جدا إذا ما تعلق الأمر بـ «الإخوان المسلمين» . فهذه الجماعة لم تباشر فعالياتها الاجتماعية والاقتصادية والدينية والمؤسساتية بسبب أزمات اقتصادية أو اجتماعية، بل اختارت طواعية ومنذ وقت مبكر نهجا تربويا وإصلاحيا لم يكن حتى الفضاء الاجتماعي الذي طبق فيه اختياريا بقدر ما كان ناجما عن حراك سياسي أوجده فاعلون استراتيجيون في غفلة منهم، بل إن النشاطات الإجمالية مورست علنا دون أن تتسبب بأية

(1) الهر ماسي (عبد الباقي) .- الدين في المجتمع العربي، ندوة: مقالة"علم الاجتماع الديني: المجال - المكاسب - التساؤلات"- مركز دراسات الوحدة العربية / الجمعية العربية لعلم الاجتماع - بيروت، لبنان - الطبعة الأولى، حزيران/ يونيو1990 - ص22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت