فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 413

الاستثمار في التعليم. أي أنهم حضريون أصلًا أو متحضرون، في حين أن الأغلبية الساحقة من اللاجئين هم من الفلاحين بمن فيهم شريحة ألـ « Landless » . هكذا تتجلى الملاحظة الثانية: فالقيادة المؤسسة وصاحبة القرار السياسي، فيما بعد، هي في غالبيتها مدنية (تاريخيًا) أو مدنية (نشأة) ، وما دونها ينتمي إلى الريف. وهذا يؤشر من جانب على استمرار الهيمنة التاريخية للمدينة على الريف في المجتمع الفلسطيني. ومن جانب آخر على أن الصراع بين المنظمات على القيادة هو صراع مديني - مديني لم يكن للريف فيه دور ملموس. وفي المحصلة هو صراع بيني يتطلع إلى السلطة والنفوذ من خلال الثورة بوصفها مجال الصراع. ولكن إلى متى يستمر هذا الصراع؟ وإلى متى يستمر استبعاد الريف والحط من شأنه؟

ثالثًا: ثقافة الكسب والتبرير

إن صراعًا مدينيًا من هذا النوع تطور مع الزمن ليثبت ثقافة «الكسب» أو «الغنيمة» أو «الامتياز» ، وهي ثقافة عربية سائدة منذ زمن قديم. وفي الثورة الفلسطينية اتسمت بمحتوى سياسي يقوم على:

- «تعجل جني الثمار» [1] ، بحيث أن أي جهد سياسي أو أيدولوجي أو حربي ... الخ لم يكن يتح له الوقت ليؤتي ثماره المأمولة. إذ سريعًا ما تستغل النتائج كما لو أنها غنيمة. وهذا يؤكد غياب الاعتقاد بالحرب الشعبية طويلة الأمد.

-حق الاستئثار بالقيادة. فحتى آخر القرن العشرين لم تتبدل القيادات الفلسطينية بالرغم من مرور نحو نصف قرن على بعضها، وهذا ينطبق بالدرجة الأساس على قادة المنظمات [2] ومساعديهم إلا في حالات الوفاة أو الاستشهاد. وبطريقة غير مباشرة يدافع أحد القادة الفلسطينين عن هذه الحقيقة فيجزم أنه: «لا يمكن تصور دولة ذات سيادة حقيقية إلا إذا أسسها وحكمها أولئك الذين قادوا حركة التحرير الوطني ... » [3] . وقد شملت هذه الثقافة، كل المنظمات والمؤسسات وعلى كل المستويات وفي مختلف الظروف والأوقات. وأفرزت ظواهر عدة وخطيرة كالتكلس البيروقراطي وحلول الفرد محل الجماعة وانتشار النزعات المِنْطقية التي فصلت بين الثورة والشعب وفككت وحدته وضربت ستارا من الجهل بالقضية والثورة وعززت الانقسام من نحو: (غزة، الضفة الغربية) والمدنية (خليلي، نابلسي، غزاوي، مقدسي ... ) والإقليمية والجهوية (فلسطينيو الداخل وفلسطينيو الخارج أو فلسطينيو1948 وفلسطينيو1967 أو هذا فلسطيني أردني وذاك سوري وآخر لبناني ... ) والتنظيمية (فتحاوي، شعبية، ديمقراطية .. ) وداخل التنظيم الواحد (عسكري، تنظيمي، مدني سياسي ... ) . ومن الملفت للانتباه أن ثقافة الكسب تلازمت مع النزوع إلى تبرير كل سلوك أو ظاهرة في مناخ من اللامبالاة والاستهتار والحط من شأن النقد والرقابة والمحاسبة أيًا كان مصدرها من أضعف مرتبة تنظيمية إلى أعلاها. وبعد خروج الثورة الفلسطينية من لبنان تجذرت هذه الثقافة إلى

(1) أبراش (إبراهيم) .- البعد القومي ... - مرجع سابق - ص 242.

(2) حول تجديد القيادات الفلسطينية والفرص الضائعة لياسر عرفات وجورج حبش، راجع: جابر (عدنان) .- الثوب والعنب - مرجع سابق / ص 71 - 109.

(3) خلف (صلاح) . - ... بلا هوية - مرجع سابق - ص 333.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت