4.من الطبيعي أن تؤدي نوايا «فتح» الخبيئة إلى الابتعاد عن الأيديولوجيات، بل ومحاربتها لأن المهم عندها هو تصعيد الكفاح المسلح إلى أقصى مدى ممكن كيما يؤدي إما إلى: «خلق مناخ تسود فيه روح النضال في الأمة العربية .. » وبالتالي يمكن التفكير بخوض الحرب الشعبية العربية وليس الفلسطينية، وإما إلى «التوريط» . فما نفع الأيديولوجيا إذا كانت الإستراتيجية حاضرة بلا حاجة إلى نظرية ثورية؟ ثم أليست هذه الخبايا هي لب أيديولوجيا «فتح» ؟ والآن، لنكثف خلاصة هذه التحليلات بالملاحظات التالية:
أولا: الفراغ الأيديولوجي
من الواضح أن أزمة اليسار وخبايا «فتح» تمخضت عن غياب للأيديولوجيا وبالتالي غياب للنموذج الثقافي الاجتماعي السياسي الذي من المفترض أن يشكل مرجعية للمنظمات الفدائية ومن ورائها للفلسطينيين. ويمكن معاينة آثار الفراغ الأيديولوجي في تشتت الجهد وتكريس تقاسم الشعب والتنافس والعصبية التنظيمية وغياب العمل المؤسسي الذي يقابله دمج ثابت للقضية بالقيادة الراهنة. ومن جهتها يبدو أن كل المنظمات اليسارية، الماركسية أو القومية، تقاسمت فعليًا ما زعمت أنه طبقة عاملة واعتقَد كل منها أنه ساع في تمثيلها لأنه الأقدر على تأهيلها لقيادة الثورة. ولما لم ينجح أي منها في بناء الحزب البروليتاري المكلف بهذه المهمة فإن هذه الطبقة إما أنها غير موجودة في الواقع بالمواصفات الماركسية أو أنه وقع اقتسامها على أقل تقدير [1] .
ثانيًا: مدينية القيادة وريفية الثورة
إن القادة المؤسسون للمنظمات الفدائية هم لاجئون في الغالب وطلبة جامعيون أو خريجو الثانوية العامة أو ضباط أو حزبيون أو أثرياء متنفذون. وجميعهم في الغالب إما أنهم سليلو عائلات عريقة أو ناهضة أو معروفة أو ممن جاورت المدن، منذ الأربعينيات وبعد النكبة، وابتعدت عن المخيمات والقرى لحرصهم على متابعة
(1) في مقالة مبكرة لـ"برهان غليون"يستعرض فيها مواقف الطبقات من الثورة ويحللها، يتوصل إلى نتيجة يرى فيها أن"أزمة الثورة هي أزمة اليسار العربي بشكل عام"وهو موقف سجله قبل ولادة اليسار الفلسطيني. وعن"البرجوازية الصغيرة"وتسلمها القيادة يقول:"إن الثورة إذن لا تقودها إلا الطبقة الأكثر فعالية في مرحلة معينة من تطور المجتمع المادي .. وفي الدول العربية لا يرجع تبوؤها لمراكز عديدة في الثورة إلى إمكانية تشكلها كطبقة وإنما إلى ظروف تاريخية واستثنائية مرت بها بعض الأقطار".أما عن"البرولتياريا، فإن قيادتها للثورة ليست مرتبطة بحزب معين لأنها كطبقة يمكن أن تكون موالية لأكثر من حزب ثوري".هذا"الكلام"قيل قبل أن تعتقد الجبهة الشعبية أو الجبهة الديمقراطية أن كلًا منهما أقدر على بناء حزب البروليتاريا من أي تنظيم يساري آخر. راجع: غليون (برهان) : المسائل الراهنة للثورة العربية - دراسات عربية - بيروت، لبنان- عدد2 - كانون أول/ديسمبر1966/ص10 - 14.وللمقارنة حول معتقدات"الشعبية"، مثلًا، مع: حجار (جورج سالم) : أدبيات الجبهة الشعبية .. - مرجع سابق- عدد 10 - ص47. إذ ينقل الباحث عن"حبش"قوله أن:"الحزب الماركسي اللينيني الفلسطيني الذي سيقود الطبقة العاملة الفلسطينية والجماهير الفلسطينية يتشكل في تصورنا من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين فقط".