حركة «فتح» من ضرب حصار خانق عليه لاسيما وأن الفرصة لم تتح، فعلا، لا لـ «ماركس» ولا لغيره من الباحثين أيًا كانت أيديولوجياتهم لاكتشاف طبقات فريدة في أوضاع فريدة لم يسبق أن حدثت تاريخيًا في حينه كظروف مجتمع اقتلع سكانه وشُردوا وفُككت كل روابط وجوده إلى حد الجرأة على إنكاره وملاحقته من قوى سياسية واجتماعية كما لو أنه شيء خارجا عن الطبيعة الاجتماعية والإنسانية أو، كما قال أحدهم «خارج الزمن» . وبعكس اليسار القومي ذو التاريخ السياسي والأيديولوجي المتصل كانت المسألة الاجتماعية أخطر القضايا التي كانت أساليب العنف أحد منتجاتها في أكثر من مناسبة. ومهما يكن الأمر، لماذا رفضت «فتح» كل الأيديولوجيات ودافعت بشراسة عن «الكفاح المسلح» وحق «الجميع» في النضال ابتداء من البروليتاريا وانتهاء بالبرجوازية الكبرى؟
إن ظهور «فتح» على أنقاض جماعة «الإخوان المسلمين» لم يكن يعن البتة خروجا على الإسلام عقيدة أو أيديويوجيا إنما اختلافا على منهج الصراع ضد إسرائيل بين أجنحة تفضل انتظار الوقت الملائم وأخرى متعجلة لبدء القتال. لذا ركزت «فتح» على «الكفاح المسلح» باعتباره «الوسيلة الحتمية الوحيدة لتحرير فلسطين» . فهل نجحت الحركة؟ أم أخفقت؟ وبم نفسر عداءها للأيديولوجيات؟ لنبق بعيدا عن الأحكام، وبإيجاز، ولندع خالد حسن، في مقابلة معه سنة 1982 بعد ثمانية عشر عاما على الانطلاقة «يعترف» أنه: «بين بداية «الكفاح المسلح» وحرب 1967 كانت فتح تأمل في تحقيق هدفها بتحرير فلسطين». أما كيف؟ فـ «من خلال الفعل ورد الفعل. نحن نقوم بالفعل ويقوم الإسرائيليون برد الفعل، والحكومات العربية، إما أن تؤيدنا ضد الإسرائيليين أو تقاتلنا. فإذا ما قاتلونا، تؤيدنا شعوبهم. وعندما تؤيدنا الشعوب، فالحكومات تكون مضطرة إما إلى تأييدنا أو إلى مواجهتنا بشعوبهم ... لقد أردنا أن نخلق مناخا تسود فيه روح النضال في الأمة العربية بحيث تكون لديهم إرادة القتال، ويؤسفني أن أقول أننا فشلنا» [1] .
لا شك أنه «اعتراف» مذهل. وعلى رأي المثل العربي الشهير «راحت السكرة وجاءت الفكرة» . هذا على الأقل رأي جورج حجار الذي يعتقد أن الفعل عند العرب يسبق، في العادة، التفكير. فما الذي يمكن استنتاجه من هذا الاعتراف؟
1.مبدئيا، فإن الانقسامات التي ميزت خريف الانطلاقة (1964) يبدو أنه كان لها مبرراتها التاريخية. ومهما كانت حقيقة المعارضين ومدى إخلاصهم أو صدقهم أو التزامهم فقد وقع استبعادهم بصوت واحد، في حين أن قرارا بحجم الانطلاقة، حدث، يستوجب إجماعا بلا أدنى تحفظ طالما أن «فتح» حريصة على تماسكها وتتباهى بقوة تنظيمها وانسجام قيادتها، فالمسألة تتعلق بمصير أمة لا بمصير شعب أو جماعة معينة و لا بجهد منفرد. وسواء صحت هذه الواقعة (أغلبية الصوت الواحد) أم لا فما فاه به «الحسن» حول المدة الزمنية التي أمِلت فيها
(1) كوبان (هيلينا) .- ... المنظمة تحت المجهر - مرجع سابق - ص 65.