البقاء، وهو سلوك تمارسه كل الكائنات الحية في أحلك الظروف. وكنا قد تحدثنا عن تحول «التعليم» إلى الدينامية الاجتماعية الأساسية بعد النكبة وكيف لجأت العائلات التي فقدت كل شيء إلا رأسمالها الرمزي في التوجه نحو الاستثمار فيه. وهذا التوجه لا يقتصر فقط على العائلات الفلاحية المتوسطة المسماة برجوازية صغيرة بل يشمل كل العائلات الفقيرة التي احتفظت ببعض المدخرات ونجحت باستغلالها وليس إنفاقها كما اضظر الكثير أن يفعل، وكذلك المعدمون ممن تمتعوا بنضج ثقافي أو اجتماعي في التغلب على مصاعب الحياة وأولئك الذين استفادوا من تعويضات الخدمة في الإدارة البريطانية أو حصلوا على منح دراسية واقتصادية من «الأنروا» وكذلك الذين غامروا في الصحاري مشيًا على الأقدام ليهلك منهم من يهلك ويفلح من يفلح أملا في الفوز بفرصة عمل في دول الخليج العربي ومن ثم تأمين فرص عمل لأقاربهم وذويهم.
كل هؤلاء عانوا شظف العيش ولم يكونوا مسؤولين عن أوضاعهم الشخصية بل عن عائلات وأسر بكاملها وهم بروليتاريا مكافحة سواء كانوا طلبة أو موظفين أو عمال مهاجرين. وقد تحملوا العبء الأكبر في الحفاظ على تماسك العائلة والجماعة اللاجئة. ولما يبتدئ مجتمع اللاجئين مثل هذا الحراك غداة النكبة فالمرجح أن طبقة ما أو طبقات عدة مرشحة للظهور. ونستطيع القول أن البرجوازية الصغيرة إن كانت قد ظهرت ابتداء من الأربعينات فقد عادت وانطفأت إبان النكبة ثم نمت وتوسعت في رحمها وفي ظروف تختلف جذريًا عن المحتوى الماركسي. فهي لم تنم على وقع تنمية رأسمالها بل على وقع الحاجة إلى البقاء. فهل هي ذات الطبقة (البرجوازية الصغيرة) التي طالب اليسار بإسقاطها؟ وكرس جهده للنضال ضد قيادتها؟
إنه لمن الطرائف العجيبة أن تبرر الجبهة الشعبية هيمنة البرجوازية الصغيرة هذه على قيادة الثورة في كونها «ذات تاريخ نضالي عريق» والأهم من ذلك أنها «ضخمة العدد نسبيًا» . أما كيف اكتسبت هذا التوصيف فلا الجبهة ولا اليسار قدم تفسيرًا واحدًا. وبدلًا من النظر إليها، بسماتها التاريخية التي أوجدتها وجعلتها من وصمة البرجوازية الصغيرة، على أنها بروليتاريا ازدهرت بفضل كفاحها وقوة إرادتها وتصميمها على الخروج من المعاناة والاضطهاد السياسي القومي، لاسيما وأن القسم الأعظم منها خرج من أعماق اللجوء، راح اليسار بعين ماركسيته يوجه لها الإدانة ويكرس جهده لإخراجها من قيادة الثورة بينما هي المادة الأولى في الثورة والعمود الفقري لمجتمعها. وبنفس الوقت اعتبر اليسار الطبقة العاملة قليلة العدد، ربما لأن البرجوازية ضخمة نسبيًا! وفوق ذلك فهي عاجزة، غير مؤهلة، ومع ذلك تبقى القيادة من حقها. أما قلة العدد فيمكن تعويضه «بالوعي والتنظيم والقتال الحقيقي حتى تشق طريقها إلى القيادة شقًا بالدماء والتضحية» . ولعله لم يتبق أمام اليسار إلا تطويع المسألة الطبقية للأيديولوجيا الماركسية. وإذا لم يجد الطبقات التي تكوِّن مادة الثورة أو لم ينجح في توليدها فما عليه إلا الانتظار كما انتظر من قبله «تروتسكي» [1] .لا شك أن هشاشة الطرح لدى اليسار الماركسي أدخلته في أزمة بنيوية مستعصية مكنت
(1) (كان"ليون تروتسكي"أكثر المرشحين لخلافة"فلاد يمير إيليتش لينين"عند وفاة هذا الأخير، ولكنه لم يستجب مفضلا التروي ريثما تتضح مواقف القيادة السوفياتية تجاهه. في الأثناء نجح"جوزيف ستالين"في السيطرة على مقاليد الحكم وسط معارضة قوية من"تروتسكي"الذي اختار المكسيك مقرا لمنفاه الإختياري، إلا أن رجال"ستالين"لاحقوه إلى هناك حيث اغتيل.