بأي من المعايير العلمية كالدخل أو المهنة أو الثقافة أو المكانة الاجتماعية أو منظومة قيمية أو أية ظروف وأوضاع كائنة. لماذا فعل ذلك؟ لأنه لم يقدم أصلًا أية دراسة اجتماعية واحدة عن مجتمعه لا قبل النكبة ولا بعدها تشفع لتحليلاته. وثمة من يذهب أبعد من ذلك حين يشير أن «اليسار» : «لا يملك كتابًا واحدًا عن تاريخ أمته وليس باستطاعته أن يقدم للمواطن العربي جذوره التاريخية ويوضح كيف ولماذا نشأ هذا اليسار وكيف سينمو .. » [1] . إزاء هذه اللوحة الإجمالية لليسار هل ثمة فرصة محتملة لأية مقاربة بين مجتمع الثورة المزعوم والمجتمع المفقود؟ لنحاول.
بالنسبة للشرائح الميسورة والمتنفذة فقد اعتبرها اليسار البرجوازية الكبيرة بما أنها تشتمل على الإقطاعيين والرأسماليين والتجار والصيارفة والمتمولين ... الخ وهي طبقة معادية للثورة أو مهيأة لذلك كونها تابعة ومصالحها مرتبطة بمصالح الرأسمال الأجنبي، لذا لا يمكن الوثوق بها ولا يحق لها تبوؤ مناصب قيادية خشية انحراف الثورة عن مسارها وتعريض مصالح الشعب للمساومات وربما للضياع. ولكن قيام إسرائيل قضى على طموحات هذه الشرائح وسبب لها خسارات فادحة وأدخلها في هوية اللجوء بعكس مثيلاتها في الدول العربية حيث جرى دعمها من قبل الاستعمار لضمان تبعية بلدها على الدوام للدولة المستعمرة بعد الاستقلال [2] . وعُداة النكبة توسعت هذه الشرائح ونمت مجددًا ليس على خلفية نفوذها العائلي أو الديني فحسب بل أن بعضها أفرزته مخلفات النكبة وحتى ما بعد الكارثة وبالتالي فهي لا تتمتع بتجانس تاريخي ولا تعيش نمطًا إنتاجيًا معينًا فضلًا عن أن قسمًا منها امتاز بالجشع السياسي والاقتصادي وقسمًا آخر وقع ضحية الاستغلال السياسي والضغط الاقتصادي وقسم أخير كانت نشأته عصامية [3] فكيف يمكن اتخاذ موقف موحد منها؟ ومع ذلك فقد وقعت عليها مسؤولية كبرى بفضل أدائها السياسي والاقتصادي قبل النكبة وبعدها وأعطت للماركسية الحق التاريخي في انتقادها وتوجيه اللوم إليها. فماذا عن «البروليتاريا» و «البرجوازية الصغيرة» ؟ وأية علاقة تربط بينهما؟
إذا استعملنا أدوات التحليل الماركسي فمن الصعب توقع وجود بروليتاريا ملحوظة في المجتمع الفلسطيني، بالمواصفات الماركسية، لا قبل النكبة ولا بعدها إلا انطلاقًا من عام1967 فصاعدًا، لعدة أسباب وبشروط معينة:
(1) حجار (جورج سالم) : أدبيات الجبهة الشعبية - مرجع سابق - عدد 9 - ص 56. وكذلك الملاحظات القيمة حول الثقافة الفلسطينية والتجربة المعاصرة للحركة الوطنية ومحاذير التعرض لها بالدراسة ودور القيادات الفلسطينية في ذلك / راجع: الموسوعة الفلسطينية.- علوش (ناجي) : فكر حركة المقاومة الفلسطينية ... - مصدر سابق / ص 963 - 965.
(2) لمقارنة إجمالية يمكن الإحالة إلى: ضاهر (مسعود) . - المشرق العربي المعاصر من البداوة إلى الدولة الحديثة - معهد الإنماء العربي - بيروت، لبنان - الطبعة الأولى، 1986.
(3) (إذا انطلقنا من معيار الدخل فبعض الفلسطينيين جمعوا، بجهودهم الحثيثة، ثروات طائلة ولم يكونوا أكثر من لاجئين مسحوقين فهل هذا يؤهلهم للانتماء الى الطبقة البرجوازية؟ ثم من هي البرجوازية التي وقع استهدافها؟ وعلى أية أُسس؟