فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 413

منظماته بالماركسية ونظرياتها الثورية. فَلِمَ وقع الاقتداء بها إذن؟ هل هو توغل الفكر الماركسي في العالم الثالث والمشرق العربي والانبهار به على خلفية انتصار حركات التحرر العالمية والحرب الباردة بين القطبين (أميركا والاتحاد السوفيتي) والتي تمخض عنها تبني الثاني لنضال الشعوب المستعمَرة و المستعبَدة؟ أم هو العلم بالماركسية والحاجة إليها لاسيما أن بعض المنظمات الفدائية كالجبهة الشعبية تزعم أن التحول نحو الماركسية ابتدأ قبل عام1967 ببعض «المطالعات في الماركسية لدى بعض قياديي وكوادر الحركة» ؟ [1] مهما كانت الأسباب فالتحول نحو الماركسية كان دراماتيكيا ولم يكن مقنعًا أبدا في مبرراته، ولم تكن ثمة حاجة إليه من الأصل. والملفت للانتباه أن «إشهار الالتزام بالماركسية» لا يبدو استرشادا بها كـ «دليل للعمل» بقدر ما هو إسقاط تعسفي لها على شتات المجتمع الفلسطيني المندثر والمهدد بالفناء التام فضلا عن أنها تقع خارج التاريخ والحضارة والعقيدة. أمِن اليسير مقاربة «مجتمع الثورة» بـ «المجتمع المفقود» ؟

بالتأكيد ليست المقاربة سهلة لأنها ستكون مواجهة مع الماركسية ذاتها وليس مع اليسار فقط بما أن مجتمع الثورة المُصاغ يطابق ما ورد في الماركسية - اللينينية. والإشكالية هنا تتعلق في ضرورة ملاءمة مجتمع الثورة للواقع الفلسطيني لا للنظرية. أي البحث عن مادة الثورة في صلب المجتمع كما فعل «ماوتسي تونغ» وليس في النظرية كما فعل اليسار كي لا تكون النظرية في منأى عن التطبيق. فالصراع الطبقي، وإن كان محكومًا بالثنائية التقليدية بين المستغِلين والمستغَلين إلا أن الطبقية كانت تتسع وتتشعب باستمرار كلما تطورت وسائل الإنتاج. وهذه عملية تاريخية عابرة للزمان والمكان على حد سواء. فما أكتشفه «ماركس» من طبقات في المجتمع الفرنسي، مثلًا، كان مغايرًا لما اكتشفه من طبقات في مناسبات سابقة أو لاحقة. وفي كل الحالات التي درسها وغيره من الماركسيين لم يبحث «ماركس» أو يتحدث عن طبقة تقع خارج مجتمعها أو بعيدًا عن أنماط الإنتاج السائدة فيه. ومع ذلك فقد استعمل اليسار «الطبيقية» و «المجتمع الفلسطيني» كما لو أنهما واقع عياني لا جدال فيه، وكما لو أن شيء لم يحدث. فإذا كانت الطبقية هي وليدة مجتمع أولا، ونمط إنتاج ثانيًا، فكيف يمكن تصور وجودها ومحاكمتها بلا وجود لهذا أو ذاك؟ زيادة على أن ما تبقى من جماعات اللاجئين في الشتات مهدد برمته بالزوال حاضرًا ومستقبلًا؟ وكيف يٌفسَّر اقتداء اليسار بالماركسية الآسيوية (الصين وفيتنام) ويقدّم مجتمع الثورة التفاضلي طبقًا للنموذج الروسي وليس الآسيوي مثلا؟

يلاحظ أن اليسار لم يبحث عن خصوصية المجتمع الفلسطيني لأن تركيزه كان منصبًا على «الكفاح المسلح» . لذا فهو استرشد بالماركسية اللينينية لتحديد مادة الثورة وبناء الحزب الثوري القائد دونما اهتمام بسمات الواقع الفلسطيني «الطبقي» إلا بما تحدده النظرية، في حين استرشد بالنموذج الآسيوي الذي يُعبأ فيه الفرد على «القتال» . وعلى هذا الأساس صنف اليسار المجتمع الفلسطيني طبقيًا مستعينًا بالأيديولوجية الماركسية ذاتها وليس

(1) الموسوعة الفلسطينية. - علوش (ناجي) : فكر حركة المقاومة الفلسطينية ... - مصدر سابق - ص 934 - نقلا عن التقرير التنظيمي العسكري - المالي الصادر عن المؤتمر الوطني الرابع (نيسان / أفريل 1981) للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - ص 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت