وأجاب عن الاعتراض الثاني بأن الذي فهم عن سيبويه أنه أراد الاسماء التي يستفهم بها لأنهم لا يختلفون في الحروف أنها لا يجازى بها [1] .
وعلى هذا يكون رد المقولة كما يرى السيرافي بـ (أن يقال أنتم تستفهمون بكم ولا يجازى بها، وكذلك كيف يستفهم بها ولا يجازى بها) [2] .
ولم يكتف سيبويه بأن رد مقولة النحويين وإنما حاول أن يطرح معيارًا جديدًا يبين به ما هية الأداة الشرطية، يقول سيبويه: (ولكن القول فيه كالقول في الاستفهام. ألا ترى أنك إذا استفهمت لم تجعل ما بعده صلة. فالوجه أن تقول: الفعل ليس في الجزاء بصلة لما قبله كما أنه في حروف الاستفهام ليس صلة لما قبله وإذا قلت: حيثما تَكُنْ أكُنْ، فليس بصلة لما قبله، كما أنك إذا قلت: أيْنَ تَكُونُ وانت تستفهم فليس الفعل بصلة لما قبله، فهذا في الجزاء ليس بصلة لما قبله كما أن ذلك في الاستفهام ليس بوصل لما قبله. وتقول: مَنْ يَضْرِبْكَ أَضْرِبْه، فالفعل فيهما غير صلة) [3] .
ويؤيد ذلك أنَّ (حيث) لا يمكن أنْ تكون أداة شرط دون أنْ تضم إلى (ما) ، لأن (ما) تحول دون أن يكون ما بعدها صلة لها، وإذا كانت (حيثُ) عاطلة من (ما) فإنها لا تكون أداة شرط. يقول سيبويه: (وإنما منع حيث أن يجازى بها أنك تقول حَيْثُ تَكُونُ، فـ(تَكُونُ) وصل لها، كأنك قلت: المَكَانُ الَّذِي تَكُونُ فِيه أكُونُ) [4] .
ومعنى هذا أن الجملة بسيطة والجملة الشرطية ليست جملة بسيطة بل مركبة و (حيث) هنا تدل على مكان محدد يفهم من الجملة التي بعدها حيث كونت معها عبارة.
ويؤكد سيبويه أن (حيث) لا تكون اداة شرط بأنَّ ما بعدها قد يأتي جملة إسمية.
يقول سيبويه: (ويبين هذا أنها في الجبر بمنزلة إنما وكأنما وإذا، أنه يبتدأ بعدها الأسماء، أنك تقول: حيث عبْدُ اللهِ قَائِمٌ زَيْدٌ، وأكُونُ حَيثُ زَيْدٌ قَائِمٌ، فحيث كهذه الحروف التي تبتدأ بعدها الأسماء في الخبر، ولا يكون هذا من الجزاء. فإذا ضمنت إليها ما صارت كمنزلة إنْ وما أشبهها، ولم يجز فيها ما جاز فيها قبل أنْ تجيء بما، وصارت بمنزلة إمَّا) [5] .
ولكن هذا التشدد الذي نجده عند سيبويه - فيما يتعلق بتلازم (حيث) و (ما) في الشرط - لا نجده عند الفراء فاتصال (ما) بحيث) أو غيرها إنما يخلصها للشرط دون الاستفهام.
(1) م. ن.، ص. ن.
(2) م. ن.، ص. ن.
(3) سيبويه، الكتاب 3: 59.
(4) سيبويه، الكتاب 3: 58.
(5) سيبويه، الكتاب 3: 58 - 59.