يذهب سيبويه إذن إلى أن الأدوات الجازمة مثل (لم) لا يجوز أن تفصل عن الفعل، لأنه لا يجوز الفصل بين العامل والمعمول [1] . وقياسا عليه فإنه (يقبح) تقدم الاسم على الفعل في جملة الشرط، فلا
يفصل بين أداة الشرط والفعل [2] . وعبر سيبويه بقوله (يقبح) ، لأن ذلك لم يصل إلى درجة الامتناع، وعدم الجواز، فهو يقرر أن هذه الظاهرة جائزة في مستوى معين من الاستخدام، وهو الشعر [3] . ويعلل سيبويه لذلك بأن أداة الشرط تختلف عن أدوات الجزم الأُخرى نحو: (لم) من جهتين: إحداهما أن الفعل بعدها قد يكون مضارعا أو ماضيا، بينما لا يجوز أن يكون بعد لم إلا مضارعا [4] . والجهة الأُخرى أن الأدوات - غير (إنْ) - قد تفارق الجزم حينما تخرج عن الدلالة الشرطية فبعضها قد يكون ما يطلق عليه (أسماء موصولة) [5] ، وقد تكون أدوات استفهام [6] .
ومن أجل تعزيز الفكرة التي يذهب إليها يقرنها بظاهرة أُخرى لا صلة لها بها [7] يقول: (فلما كانت تَصَرَّف هذا التصرف وتفارق الجزم ضارعت ما يجر من الأسماء التي إن شئت استعملتها غير مضافة نحو: ضارِبِ عَبْدِ اللهِ، لأنك إن شئت نونت ونصبت، وإن شئت لم تجاوز الاسم العامل في الآخر، يعني ضاربٍ، فذلك لم تكن مثل لَمْ. ولا في النهي، واللام في الأمر، لأنهن لا يفارقن الجزم) [8] .
إذن فالفصل بين الأداة والفعل قبيح في الكلام جائز في الشعر. ولكن سيبويه يستثني من أدوات الشرط (إنْ) فهي الأداة الوحيدة التي يجوز الفصل بينها وبين الفعل بالاسم في الشعر والكلام، على أنه يشترط في الكلام أن يكون الفعل ماضيا [9] . ويعلل لهذا الاستثناء بقوله: (وإنما جاز هذا في(إنْ) لأنها أصل الجزاء ولا تفارقه، فجاز هذا كما جاز إضمار الفعل فيها حين قالوا: إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وأنْ شَرًا فَشَرٌ) [10] .
تتخذ التطبيقات على هذه القضية ترتيبا من حيث الضعف والقوة عند سيبويه. ويمكن أن نبينه على النحوالتالي:
(1) التقدم مع (إنْ) أقوى منه مع سائر الأدوات فالتقديم يكون معها جائزًا في الشعر والكلام.
(1) سيبويه، الكتاب 3: 111.
(2) سيبويه، الكتاب 3: 112.
(3) م. ن.، ص. ن.
(4) سيبويه الكتاب 3: 112.
(5) نفضل أن نطلق على (من) و (ما) مصطلح (ضمائر موصولة) أو (ضمائر وصل) .
(6) سيبويه، الكتاب 3: 112.
(7) يرى النحاة أن الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء، انظر سيبويه، الكتاب 3: 9، والمبرد، المقتضب 4: 82.
(8) سيبويه، الكتاب 3: 112.
(9) م. ن.، ص. ن.
(10) سيبويه، الكتاب 3: 112 - 113.