فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 272

(ومما لا يكون في الاستفهام إلا رفعا قولك: أَعَبْدُ اللهِ إنْ تَرَهُ تَضْربْه. كذلك إنْ طرحت الهاء مع قبحه فقلت: أَعَبْدُ اللهِ إنْ تَرَ تَضْربْ، فليس للآخر سبيل على الاسم، لأنه مجزوم، وهو جواب الفعل الأول، وليس للفعل الأول سبيل، لأنه مع إنْ بمنزلة قولك: أَعَبْدُ الله حِينَ يَأتِينِي أضْربْ، فليس لعبد الله في يأتيني حظ، لأنه منزلوقولك: أَعَبْدُ اللهِ يَومَ الجُمْعَة أضربُ، ومثل زَيْدٌ حينَ أضْربُ يَأتِينِي لأن المعتمد على زيد آخر الكلام وهو يأتيني. وكذلك إذا قلت: زيدًا إذا أتاني أضْربُ، وإنما هو بمنزلة حين) [1] .

نفهم من هذا النص أنَّ الاسم المقدم على أداة الشرط التي بعدها فعلان مجزومان يجب أن يكون مرفوعا، وذلك أنه مبتدأ وبهذا تكون الجملة الشرطية مستقله وليس الاسم جزء منها، وبهذا تكون الأداة متصدرة.

وحذا المبرد حذو سيبويه من حيث ضرب الأمثلة يقول: (ولوقلت: آتي مَنْ أَتانِي، للزمك أن يكون منصوبا بالفعل الذي قبلها. وهذا لا يكون، لأن الجزاء منفصل كالاستفهام) [2] .

ولعله يعني بالانفصال الاستئناف وبهذا يكون للأداة التصدر.

ونجد بعدهما ابن السراج يصرح بصدارة (إنْ) وغيرها من أدوات الشرط، فهو يقول: (ولكن لا يجوز أن تقدم(تضرب) على (أي) لأن هذه الأسماء إذا كانت جزاءً أو استفهاما فلها صدور الكلام، كما كان للحروف التي وقعت موقعها، فكذلك من وما إذا قلت: مِنْ تَكْرِمْ أُكْرِمْ، ومَا تَصْنَعْ أَصْنَعْ) [3] . وتحدث عن (إنْ) في موضع آخر وهو الحروف التر تكون صدور الكلام فقال: (ومن ذلك(إنْ) التي للجزاء لا تكون إلا صدرا ولابد من شرط وجواب، فالجزاءُ مشبه بالمبتدأ والخبر إذ كان لا يستغني أحدهما عن الآخر ولا يتم الكلام إلا بالجميع، فلا يجوز أن تقدم ما بعدها على ما قبلها لا يجوز أن تقول (زيدًا إنْ تَضْرِبْ أَضْرِبْ ) ) [4] .

وقال الجرجاني في المقتصد في معرض حديثه عن بعض الأدوات: (وتلزمها صدر الكلام فإما أن تكون مبتدأة في المعنى واللفظ، وإما أن تكون مبتدأ في اللفظ دون المعنى فالمبتدأ في المعنى واللفظ قولك: مَنء يُكْرمْنِي أُكْرِمْه، ومَنْ يَخْرُجْ أَخْرُجْ مَعَه. ومَا يُعْجبْنِي آخُذْه. فهذه الاسماء مرفوعة بالابتداء، لأجل أن الفاعل لا يتقدم على الفعل) [5] .

ويعلل في موضع آخر لعدم جواز تقديم معمول فعل الشرط بقوله: (لأن الجزاء منزلة الاستفهام في أن له صدر الكلام وبينهما من المناسبة ما لا يخفى) [6] .

ويقول الأنباري في البيان: (والشرط لا يعمل فيه ما قبله لأن الشرط صدر الكلام كالاستفهام) [7] وقال بذلك ابن يعيش أيضا [8] . وذكر ابن عصفور أدوات الشرط في أدوات الصدور [9] . وذكر ابن مالك أن (لأداة الشرط صدر الكلام) [10] .

وعلل الرضى لعدم جواز تقديم فعل الشرط عند البصريين على أداة الشرط بقوله: (وعلة ذلك كله أن لكلمة الشرط صدر الكلام كالاستفهام) [11] .

وذكر أبوحيان أنَّ مذهب البصريين وهو أنَّ أداة الشرط لها صدر الكلام [12] . وكرر ذلك السيوطي أيضا [13] .

فالبصريون إذن يرون وجوب تصدر الأداة وهم كما قلنا يبنون عليها أحكامهم، أو يجعلونها علة لهذه الأحكام.

ولكن الكوفيين لا يذهبون مذهبهم، ففي الجملة: (زَيْدٌ إنْ تَضْرِبْ أضْرِبْ) .

يجيز الكسائي أن يكون (زيدًا) منصوبا بالفعل الأول وأجاز هو والفراء أن يكون منصوبا بالفعل الثاني [14] .

وينبني على قضية الصدارة قضيتان خلافيتيان ذكرنا إحداهما وهي تقديم معمول فعل الشرط، والثانية تقديم الجواب، وسوف نناقش ذلك في الصفحة التالية إن شاء الله.

تقديم الجواب:

ترتبط هذه القضية بالحالة التي ذكرناها آنفا وهي حالة تقديم مفعول الجملة الجوابية، فكلا التقديمين متعلقان بصدارة الأداة، وقذ ذكرنا أثناء دراسة قضية الصدارة أن تقديم الجواب قضية خلافية مبنية على قضية الصدارة. ذلك أن الجملة الشرطية قد ترد في صور وتراكيب تخالف التركيب العام الذي يقضي بأن يبدأ التركيب بأداة ثم جملتين، إذ قد تتوسط الأداة الجملة الشرطية حيث يسبقها كلام ويتلوها كلام وتتم بذلك جملة مفيدة، وتدور الأفكار المطروحة في هذا الصدد حول أمرين، الأمر الأول وهو الشروط المطلوبة لصحة هذا التركيب، والثاني الخلافعلى ما هية الكلام السابق على الأداة أهو جواب أو غير الجواب.

(1) سيبويه، الكتاب 1: 132 - 133.

(2) المبرد، المقتضب 2: 68.

(3) ابن السراج، أصول النحو 2: 165.

(4) ابن السراج، أصول النحو 2: 245.

(5) الجرجاني، المقتصد 1052 - 1053.

(6) الجرجاني، المقتصد 1064.

(7) الأنباري، البيان 1: 246.

(8) ابن يعيش، شرح المفصل 179.

(9) ابن عصفور، المقرب 1: 88.

(10) ابن مالك، التسهيل 238.

(11) الرضى، شرح الكافية 2: 256 والتعليل هناك مفصل.

(12) أبوحيان، ارتشاف الضرب 811.

(13) السيوطي، همع الهوامع 2: 61.

(14) ابن السراج، أصول النحو 2: 245.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت