فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 272

ومهما يكن من أمر فإن دراسة الزمن لم تتجاوز الزمن الصرفي ونقصد به الزمن الذي يفهم من الصيغ الثلاث (فعل، يفعل، افعل) .

ولاشك أن في نظرة النحاة إلى هذه القضية شيئًا من عدم التوفيق ذلك أنه يمكن لنا أن نأخذ عليهم ما يأتي:

(1) اعتبار ما يسمى (فعل الأمر) فعلا فهو في الحقيقة صيغة طلبية تستخدم للأمر.

(2) أن صيغة أفعل لا دلالة فيها على أي زمن البتة. ذلك أن الزمن إنما لفعل حدث أو يحدث أو سوف يحدث وهذا هو الشكل العام للزمن دون التقسيمات الداخلية، المهم أن الذي يأمر قائلا (اخرج) لا يعبر عن زمن كما لو قال: (خَرَجَ) أما الذي جعلهم يصنفونه في المستقبل أن (الخروج) سيقع حتما بعد الكلام وليس قبله لأن أحدا لا يطلب تنفيذ فعل ماض. وغاب عنهم أنه لا صلة بين الخروج والصيغة (أخرج) ، إذن فالذي قد يحدث أولا يحدث هو الفعل المطلوب تنفيذه وليس ما يسمى بفعل الأمر.

(3) استخدام صيغة (يَفْعَل) للحاضر والمستقبل أمر مرده للسياق وليس مفهوما من (يَفْعَل) وحدها.

وقد تعرضت دراسة الزمن في النحوالعربي للنقد من قبل الباحثين المحدثين. فقد ألقى العقاد محاضرة عن (الزمن في اللغة العربية) [1] محاولا درأ ما وصفت به اللغة العربية من قبل بعض المستشرقين من نقص في دلالة الزمن [2] .

وتلت المحاضرة تعليقات من بعض أساتذة اللغة تظهر فيها مآخذ الباحثين على دراسة الزمن.

علق كمال بشر على المحاضرة فذهب إلى وجود التفريق بين الزمن المنطقي (Time) والزمن اللغوي (Tense) وبين أن تقسيم الفعل إلى ماضٍ ومضارع وأمر هو تقسيم فلسفي أدى إلى اللبس في كثير من الأحيان كما في الآية (إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) [الانشقاق 1] [3] .

وعلق تمام حسان على المحاضرة، فذكر النقطتين المثارتين عند كمال بشر وهما التفرقة بين الزمن المنطقي واللغوي، وأن تقسيم الفعل إلى ماض ومضارع وأمر هو تقسيم غير خال من الدلالة الفلسفية.

وتكلم تمام حسان على قضايا أخرى لا أهمية لإيرادها هنا [4] .

وقبل أن نورد بقية التعليقات تجدر الاشارة هنا إلى ما وقع من وهن عند كمال بشر وتمام حسان، حيث لم يفرقا بين تقسيم النحاة للفعل وتقسيمهم للزمن، فتقسيم الفعل هو كما ذكروه أما تقسيم الزمن فهو إلى: ماض وحاضر ومستقبل، وهذا يعنى أن الأمر داخل في المستقبل وأن المضارع مشترك بين الحال والمستقبل، ومع هو هذا فإن هذه الملاحظة لا تمنع من صحة ملاحظتهم أن الزمن اللغوي غير الزمن الفلسفي.

وعلق عبدالله درويش فنسب التقصير إلى درس اللغة وليس إلى اللغة نفسها وأكد على أن أنواع الزمن المختلفة موجودة في اللغة وإن لم تجد عناية من النحاة [5] .

وعلق إبراهيم أنيس فذكر أن دارسي اللغات السامية من المستشرقين لم يجدوا صيغا كثيرة تعبر عن الزمن على نحو ما في اللغات اللاتينية والإغريقية، فأخذوا على العربية أنَّ ثلاث صيغ تعبر عن أزمنة كثيرة، وقال إن الأساليب العربية تعبر عن الأزمنة المختلفة دون أن يكون لها صيغ بعدد الأزمنة وقد عالجت الموضوع بورود فعل بعد فعل أو أداة تلحق الفعل. وقال إنَّ المستشرقين أخذوا على النحاة ربطهم الصيغ بأزمانها ربطًا مطلقًا، وقال إنَّه ربط ما كان ينبغي أن يحدث [6] .

وقد حاول تمام حسان أن يسد هذه الثغرة في الدرس النحوي بأن يتتبع التراكيب التي تتوسل بها العربية للتعبير عن الزمن مقسما الزمن إلى ثلاثة أقسام: ماض، وحال، واستقبال، أما الأقسام الداخلية في الأزمنة وهي أقسام الماضي وأقسام الحال وأقسام الإستقبال فقد أطلق عليها مصطلح (الجهة) [7] . ولكن هذه المحاولة تظل محاولة نظرية تحتاج إلى مزيد من معاودة الدرس ولكنها لاشك خطوة في سبيل المنهج الذي يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار عند دراسة قضية الزمن. ونقول إنَّها محاولة نظرية، لأنها تفتقر إلى الأمثلة المستمدة من نصول اللغة. والصيغ المذكورة بحاجة إلى بيان المواطن التي تستخدم بها والملابسات التي يعبر عن الزمن بها، فمتى نستعمل الماضي المنقطع، والماضي القريب المنقطع، والدراسة لم تشر إلى أّثر تجاور الأفعال في جملة واحدة، ففي جملة مثل: (أَخْبَرْتُه خَبَرًا أَشْرَقَ لَه وَجْهُه) نحن أما فعلين ولكن أحدهما (أخبرته) أقدم ومنا من الآخر (أَشرق) .

وفي (أَخْبَرْته بِأَمْرٍ كَتَمْتُه مُدَّةً عَنْه) : نحن أما فعلين أحدهما (أخبرته) أحدث زمنا من الآخر (كتمته) .

خصصت الصيغة (كان يَفْعَل) للماضي المتجدد، ولكن هذا المعنى قد يرد في سياق ويتخلف في غيره ويمكن أن ندرك ذلك من المثالين الآتيين:

(1) كانَ يَقْرأُ فَي بَيْتِه كُلَّ يَوْم.

(2) عنْدَمَا دَخَلْتُ عَلَيه كَانَ يَقْرَأُ.

فالزمن في الجملة (1) دال على الماضي المتجدد، ولكنه في الجملة (2) دال على الماضي المستمر لأن ثمة فعلين أحدهما القراءَة المستمرة والثاني الدخول الذي التقى معه في نقطة من الزمن وكلاهما في الماضي.

وثمة محاولة أُخرى مختلفة وهي التي قام بها هنري فلش [8] . ويذهب فيها إلى أن العربية لا تحوي صرفيًا سوى (زمنين) (التام) و (غير التام) [9] ، ولكنها تكون صيغا متفرعة (ذات وظائف مازالت مجهولة لدارس اللغة

(1) ألقيت المحاضرة بالجمعية الجغرافية المصرية في 16: 12: 1957 م.

(2) انظر نص المحاضرة في مجلة مجمع اللغة العربية 14: 37.

(3) انظر: مجلة مجمع اللغة العربية 14: 45.

(4) انظر: مجلة مجمع اللغة العربية 14: 46.

(5) انظر: مجلة مجمع اللغة العربية 14: 48.

(6) انظر: مجلة مجمع اللغة العربية 14: 50.

(7) تمتم حسان، اللغة العربية معناها ومبناها 240 وما بعدها.

(8) هنري فلش، العربية الفصحى 129.

(9) هنري فلش، العربية الفصحى 136 - 137.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت