(5) إنْ كان الأول ماضيًا والثاني مضارعًا ففي الثاني وجهان: الرفع والجزم، والثاني أكثر، وعند الكوفيين يجب الرفع لأن الجزم على الجوار، أما الرفع فلوجهين إما التقديم أو الفاء والوجهان للضرورة، فالأولى القول بتغير عمل (إنْ) وضعفها عن العمل في هذه الصورة لحيلولة الماضي بينهما [1] .
وهكذا استقصى الرضى الإمكانات كلها، وبعد الرضى نجد ممن ذكروا الإمكانيات الصرفية والإعرابية للفعلين المالقي [2] وأبا حيان، وتبلغ الإمكانات عند أبي حيان تسعة هي: (مضارعين) ، (ماضي - مضارع) ، (ماضي بلم - مضارع) (ماضيين بلم) ، (ماضيين بدون لم) (ماضي بلم - ماضي) ، (ماضي - ماضي بلم) ، (مضارع - ماضي بلم) ، (مضارع - ماضي) [3] .
ويلاحظ أنه خالف الرضى في الترتيب حيث جعل الحالة (ماضي - مضارع) في المرتبة الثانية وهي عند الرضى في المرتبة الثالثة. وأبوحيان لم يزد في إمكاناته التي ذكرها على الرضى دون تفصيل كتفصيل أبي حيان [4] .
إذن فقد بدأت دراسة الأفعال عند سيبويه بملاحظة الجانب النحوي فيها وهو التغير الإعرابي، ولاحظ الفراء التوافق الصرفي.
وكانت أحكام سيبويه أقل حدة حيث استخدم عبارات كهذه (يَقْبُح) ، (لا يَحْسُن) ، ولكنها منذ المبرد بعده اتَّخذت شكلا حادًا بتحولها إلى (لا يجوز) .
وابتداءً من الجرجاني يدأ الجميع بين كل ذلك، فذكرت الاحتمالات النحوية والاحتمالات الصرفية. وإصدار الأحكام المعيارية بما يجوز ولا يجوز.
واتخذت القضية شكلا جامدا متكررا عند النحاة. ولم ينفذ النحاة ببصيرتهم إلى تلمس الدلالات المختلفة لهذه الاحتمالات، فقد اكتفوا منها بالوقوف على جانبها الشكلي أي الجانب اللفظي فقط.
ولم نجد مناقشة جادة للأفكار التي طرحها سيبويه ولا محاولة للنظر في طريقته في الاستدلال وفهمه للشواهد وقد تبين لنا من مناقشة شاهد لسيبويه أن الاحتمالات (مضارع مجزوم - مضارع مرفوع) هو نتيجة طبيعة لسوء فهم الشاهد حيث لفَّق بين عبارة اعتراضية وجزء من جملة.
ولا يكاد يكون هناك خلاف في القضايا المعيارية. وإنما يكون في القضايا التفسيرية، فنجد في الصورة (ماضي - مضارع مرفوع) ثلاثة تفسيرات أولها عند سيبويه وهو التقديم والتأخير، والثاني للمبرد وهو إرادة الفاء، والثالث للجرجاني حيث جعله مجزوم المحل.
(1) الرضى، شرح الكافية 2: 261.
(2) المالقي، رصف المباني 104.
(3) أبوحيان، ارتشاف الضرب 815.
(4) السيوطي، همع الهوامع 2: 58.