الثاني: رد الصورة الخرى إليها، وهذا واضح من قوله (تجزمه في اللفظ) فهذه هي الصورة الأساسية، اما إذا انخرمت هذه الصورة، فإنه يلجأ إلى تأويلها.
أما الصورة التي يذكرها سيبويه فهي الآتي:
(1) فعل الشرط ماضي - فعل الجواب مضارع مرفوع،(وقد تقول: إنْ أَتَيتَنِي آتِيك، أي أتيك إنْ آتَيْتَنِي. قال زهير:
وإِنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْأَلَة يَقُولُ لا غَائِبٌ مَالي وَلاَ حَرِمُ) [1]
فالفعل المضارع لم يرفع على أنه جواب، وإنما رفع لأنه ليس جزءً من الجملة الشرطية، بل هو كلام سابق عليها، ولابد في هذه الحالة من القول بأن الجواب محذوف وسوف تجد هذه الحالة مزيدا من التفصيل فيما بعد.
(2) فعل الشرط مضارع مجزم - فعل الجواب مضارع مرفوع: (ولا يحسن إنْ َتَأتِنِي آتِيك، من قبل أنَّ إنْ هي العاملة) [2] وقوله (لا يحسن) حكم معياري يشبه (يقبح) ، فهذا المثال يمثل خرقا لقاعدته التي تقول إنّ (إنْ) إذا عملت في الفعل لفظيًا فلابد لها من جواب مجزوم، (فالجواب) هنا ليس مجزوما، ولابد من التأويل بالتقديم، وبهذا تبقى الجملة بلا (جواب) مجزوم أيضا وهذا خرق للقاعدة مرة أُخرى [3] . ومن أجل ذلك قال (لا يحسن) ، ولم يقل (قد تقول) ، و (قد تقول) توحي بالندرة، وأن هذا أمر استثنائي. ولعله قال (لا يحسن) لأنه وجد أن هذا التركيب يكون في الشعر، حيث يقول:
(وقد جاءَ في الشعر، قال جريزي بن عبدالله البجلي:
يَا أقْرَعُ بْنَ حَابس يَا أقْرَعُ إنَّكَ إنْ يُضْرَعْ أَخُوكَ تُضْرَعُ
أي إنَّكَ تُضْرَعُ إنْ يُضْرَعْ أَخُوكَ. ومثل ذلك قوله:
هَذَا سُرَاقَةُ لِلقُرآنِ يَدْرُسُه والَمَرْءُ عِنْدَ الرُّشَا إنْ يَلْقَها ذِيبُ
أي والمرء ذئب إنْ يَلقَ الرُّشا. قال الأصمعي: هو قديم أنشدنيه أبوعمرو. وقال ذوالرُمة:
وإِنَّي مَتَى أُشْرِفْ عَلَى الجَانِبِ الذِي
بهِ أَنْتِ مِنْ بَيْنِ الجوَانِبِ نَاظرُ
أي ناظرٌ متى أُشْرف. فجاز هذا في الشعر، وشبهوه بالجزاء إذا كان جوابه منجزما، لأن المعنى واحد، كما شبه (الله يشكرها) و (ظالم) بإذاهم يقنطون، جعله بمنزلة يظلم ويشكرها الله، كما كان هذا بمنزلة قنطوا،
(1) م. ن.، ص. ن.
(2) سيبويه، الكتاب 2: 67.
(3) يقول سيبويه: (ألا ترى أنك تقول: آتيك إن أتيتني، ولا تقول: آتيك إن تأتني ن إلا في شعر، لأنك أخرت إن وما عملت فيه ولم تجعل لأن جوابا ينجزم بما قبله) الكتاب 3: 66.