في أحوال خاصة يكون الجزاءُ مما لا يصلح أن يكون شرطا، أما فاء (أما) فهي فاء تلازمها ملازمة شديدة، ولا يمكن أن يتم التركيب إلا بهما معا، ونخلص من هذا كله إلى أنه لابد من النظر إليهما على أنهما أداتان مزدوجتان يشكلان نمطًا تركيبيا على هذا النحو:
أَمّا ... . فـ ...
وتدخل هاتان الأداتان على الجمل البسيطة فتدخل (أما) على حد الجملة الأول، وتدخل الفاءُ على الحد الثاني. ففي الجملة: زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، يقال: أمَّا زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ.
وبهذا لا نكون بحاجة إلى التعليلات التي أوردها النحاة لتوسط الفاء، وتقديم الاسم، وهي: لكي لا يلي الفعل أما. وهي مضمنة معنى الفعل، أو لإصلاح اللفظ أو عوضا عن المحذوف، ويجب أن ننبه إلى أن التفسير الأول نظر إلى جملة مثل: (أمَّا زَيْدًا فَاضرِبْ) .
ولا شك أن هذه التفسيرات مضطربة ومتعارضة فالتفسير الأول يعتمد على أن (أما) مضمنة معنى الأداة والشرط، والقول بالتعويض يفترض حذف الشرط فقط، فالاسم المقدم عوض عن الشرط المحذوف فيبقى أن تكون الأداة (أما) مضمنة معنى أداة الشرط.
وعلى كل حال فكل هذه التفسيرات انَّما هي صادره من تصور خارج التركيب , والتعليل يحاول ان يخلق مطابعه بين التركيب , وتركيب آخر مفترض.
ويمكن أن نضيف القضايا التي بحثها النحاة إلى نوعين: قضايا وصفية، وقضايا تفسيرية. أما القضايا الوضفية من مثل: إنه يليها الاسم، وإن الفاء تتوسط، فهذا كله جيد ويمكن الاستفادة منه أثناء إعادة النظر في التركيب، أما القضايا التفسيرية من مثل التعليل لتوسط الفاء أو حتى التزامها فكل ذلك مضطرب ومتناقض وقائم على فكرة موفوضة أساسًا وهي فكرة أن (أما) متضمنة لمعنى الشرط.
ويمكن التخلص من هذا الركام التفسيري الذي لهجبه النحاة وذلك باطّراح الفكرة القائلة بأن في أما (معنى الشرط) ، فنحن نرى أن (أما) ليس فيها دلالة شرطية أبدا.
وقد اضطرب النحاة في تحديد معنى (أما) ، فكما مر بنا، وذكر لها معنيان: التفصيل، والدلالة الشرطية. أما عند الزمخشري فمعناها التوكيد، يقول: (وفائدته في الكلام أن يعطيه فضل توكيد، تقول زيدٌ ذاهبٌ، فإذا قصدت توكيد ذاك وأنه لا محالة ذاهب وأنه بصدد الذهاب وأنه منه عزيمة قلت: أمَّا زيدٌ فذاهبٌ) (1) .
ونضيف إلى ذلك معنى رابعا رواه النحاس عن الزجاج بقوله: (سمعت أبا اسحاق يُسأَل عن معنى(أما) فقال: هي للخروج من شيءٍ إلى شيءٍ (أي دع ما كنا فيه وخذ في شيءٍ آخر ) ) [1] .
وقد فات هذا المعنى الأخير ابن هشام فلم يذكره في المغني [2] .
(1) النحاس، إعراب القرآن 1237.
(2) ابن هشام، مغني اللبيب 1: 57.