قضية إعراب الأدوات:
كان من نتائج إعتبار بعض أدوات الشرط أسماء - وهذا ما تبين في القسمة الصرفية للأدوات - أن نشأ في النحو الشرطي ما يطلق عليه إعراب الأدوات، وهذه النتيجة متسقة والنحو العربي، فلابد لأسماء من أن تكون معربة.
وهذه النتيجة إنما هي دليل آخر يضاف إلى القسمة الصرفية نفسها، دليل على أن مفهوم (الأداة) لم ينله حظ من التحقيق، وأن المعنى النحوي الذي يجب أن يفهم من (الأداة) ليس دقيقا، ذلك أن للأداة وظيفة خاصة تنهض بها في الجملة دون النظر إلى الأصل الذي انحدرت منه الأداة سواء أكان اسميا أم فعليا، فكثير من حروف الجر أو ما يسمى في النحوالعربي (ظروفًا) نحو: (أمام) و (خلف) و (فوق) و (تحت) ، كثير من هذه الحروف التي هي (أدوات) على أي حال، وهي ذات أصل اسمي، ولكنها وهي في مكانها المعين من الجملة تفارق الأسمية ولا يصح أن ندرجها في جداول الأسماء بل هي لها وظيفتها المحددة دون تصنيف صرفي يماثل تصنيف الأسماء.
وكان يجدر (بالحرف) الذي هو قسيم الاسم والفعل في القسمة الثلاثية للكلام، أن يكون متسعا ليضم ما يطلق عليه (الأداة) .
وواضح أن عدم توسيع دائرة التقسيم خلق كثيرا من اللبس والاختلاط، فجعل الضمائر تحت قسم الأسماء قاد إلى إطلاق مصطلح الاسم على أنواع من الضمائر فكان هناك اسم الإشارة، والاسم الموصول، وكان ينبغي أن يسمى اسم الإشارة (ضمير إشارة) واسم الموصول (ضمير موصول) ، ثم إنَّ الاسم الموصول نفسه فيه خلط أيضا حيث يعتبر (مَنْ) و (الذي) اسمي موصول، والأوفق أن تعتبر (الذي) (صفة موصولة) [1] .
ومتى اعتبرنا أدوات الشرط ذات وظيفة خاصة تؤديها في الجملة تفارق وظيفة الأسماء والضمائر، متى اعتبرناها كذلك وجدنا أنَّا لسنا بحاجة إلى ذلك التقسيم الصرفي إلى حروف وأسماء، ولا بحاجة إلى معرفة الموقع الإعرابي الذي يكون للأسماء عادة.
ولعل هذه القضية لم تكن لتشغل بال النحويين لولا اهتمامهم الذي كان يتزايد بالعمل والعامل، وما أدل على ذلك إلا أنَّ سيبويه رغم أنه قسم الأدوات إلى حروف وأسماء لم يحفل بإعراب هذه الأسماء. وقد نشأ إعراب أدوات الشرط عند الفراء في معاني القرآن [2] ، وحذا حذوه معربوالقرآن كالنحاس [3] ، ومكي [4] ، وابن الأنباري [5] ، والعُكْبَري [6] .
(1) يمكن إدراك ذلك من مراقبة وظيفة كل منهما في الجملة حيث نقول: جاء الرجل الذي رأيناه أمس ولا نقول: جاء الرجل من رأيناه أمس، ونقول: جاء من رأيناه أمس، أما قولنا جاء الذي رأيناه أمس فمن حلول الصفة محل الموصوف.
(2) الفراء، معاني القرآن 1: 306، 3: 79.
(3) النحاس، إعراب القرآن 41، 69، 74، 84، 169، 170، 348، 869، 1154، 1528.
(4) مكي، مشكل إعراب القرآن 1: 39، 1: 51، 1: 434، 2: 156، 2: 379، 2: 394، 2: 415، 2: 491.
(5) ابن الأنباري، البيان 1: 56، 1: 76، 1: 88، 1: 99، 1: 111، 1: 178، 1: 195، 1: 213، 1: 284، 1: 371، 2: 108، 2: 277، 2: 527.
(6) العكبري، التبيان 1: 54، 1: 101، 1: 114، 1: 590، 2: 836.