وذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الكبائر، كما خرَّجاه في الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه [1] وذكر الله أنه حرَّم على الذين هادوا طيبات أحلت لهم بظلمهم، وصدِّهم عن سبيل الله، وأخذهم الربا، وأكلهم أموال الناس بالباطل [2] ، وأخبر سبحانه أنه يمحق الربا، كما يُربي الصدقات، وكلاهما أمر مجرَّب عند الناس [3] .
وذلك: أن الربا أصله إنما يتعامل به المحتاج، وإلا فالموسر لا يأخذ ألفا حالَّة بألف ومائتين مؤجَّلة، إذا لم يكن له حاجة لتلك الألف. وإنما يأخذ المال بمثله وزيادة إلى أجل مَن هو محتاج إليه، فتقع تلك الزيادة ظلما للمحتاج، بخلاف الميسر فإن المظلوم فيه غير معيّن، ولا هو محتاج إلى العقد، وقد تخلو بعض صوره عن الظلم، إذا وجد في المستقبل المبيع على الصفة التي ظنَّاها، والربا فيه ظلم محقَّق لمحتاج. ولهذا كان ضدَّ الصدقة، فإن الله لم يَدَع الأغنياء حتى أوجب عليهم إعطاء الفقراء، فإن مصلحة الغني والفقير في الدين والدنيا لا تتمُّ إلا بذلك. فإذا أربى معه، فهو بمنزلة مَن له على رجل دين فمنعه دينه وظَلَمَه زيادة أخرى، والغريم محتاج إلى دينه، فهذا من أشدِّ أنواع الظلم. ويعظمه: لعن النبي صلى الله عليه وسلم آكله وهو الأخذ، ومؤكله وهو المحتاج المعطي الزيادة، وشاهديه وكاتبه، لإعانتهم عليهم.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم حرَّم أشياء مما يخفى فيها الفساد، لإفضائها إلى الفساد المحقَّق، كما حرَّم قليل الخمر: لأنه يدعو إلى كثيرها [4] ، مثل ربا الفضل، فإن الحكمة فيه قد تخفى، إذ العاقل لا يبيع درهما بدرهمين إلا لاختلاف الصفات، مثل كون الدرهم صحيحا، والدرهمين مكسورين، أو كون الدرهم مصوغا، أو من نقد نافق، ونحو ذلك.
(1) - متفق عليه: رواه البخاري في الوصايا (2766) ، ومسلم في الإيمان (89) ، عن أبي هريرة:"اجتنبوا السبع الموبقات ... وأكل الربا".
(2) - قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [النساء:160] .
(3) - قال تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة:276] .
(4) - رواه أحمد (14703) ، وقال مخرجوه: صحيح لغيره وهذا إسناد حسن، وأبو داود (3681) ، وقال الألباني: حسن صحيح، والترمذي (1865) ، وقال: حسن غريب، وابن ماجه (3393) ، ثلاثتهم في الأشربة، عن جابر بن عبد الله:"ما أسكر كثيرة؛ فقليله حرام".