يضيع ما أنفقه على البناء بلا مقابل، بخلاف الشفيع فإنه يأخذ مقابل الثمن الذي يدفعه: البناء أو الشجر. إذا فضرر الشفيع أخفُّ من ضرر المشتري، فيختار ويكلف ذلك الشفيع بأخذ الأبنية ودفع القيمة للمشتري. كذلك إذا أدخل فرس تساوي قيمته ألف جنيه رأسه في إناء شخص تساوي قيمته مائة جنية، ولا يمكن إخراج رأس الفرس من الإناء إلا بكسره، فخوفا من موت الفرس يدفع صاحبه قيمة الإناء لصاحبه ويكسره؛ لأن ذلك أخفُّ ضررا من موت الفرس كما لا يخفى) [1] .
ونظير هذه القاعدة قاعدة أخرى؛ وهي: درء المفاسد أولى من جلب المصالح، فإذا تعارضت مفسدة ومصلحة، قُدِّم دفع المفسدة غالبا؛ لأن اعتناء الشرع بالمنهيات أشدُّ من اعتنائه بالمأمورات، ولذا قال عليه السلام:"إذا أمرتُكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" [2] .
ومن ثمَّ جاز ترك الواجب دفعا للمشقَّة، ولم يسامح في الإقدام على المنهيَّات خصوصا الكبائر.
ومن أدلَّة ذلك أيضا: ما ذكره الأصوليون: أن النهي راجح على الأمر، حتى استوعب النهي الأزمان، ولم يقتضِ الأمر التكرار.
وفي عالم الواقع نرى إزالة الأنقاض مقدَّمة على البناء، وتنظيف الأرض من بقايا الزراعة القديمة، مقدَّم على وضع البذور الجديدة، وفي عالم السلوك نرى التخليلة مقدَّمة على التحلية.
ومن فروع ذلك في باب العبادات: المبالغة في المضمضة والاستنشاق مسنونة، وتُكره للصائم؛ لأن دفع مفسدة الفطر للصائم مقدَّمة على مصلحة المضمضة والاستنشاق للمتوضِّئ.
وقد تراعى المصلحة لغلبتها على المفسدة؛ بأن كانت المصلحة كبيرة، والمفسدة يسيرة. فمن ذلك الصلاة مع اختلال شرط من شروطها، من الطهارة أو الستر أو
(1) - ددر الحكام (1/ 36، 37) .
(2) - سبق تخريجه.