أحدهما: أن لا يكون في ذلك غرض سوى الضرر بذلك الغير، فهذا لا ريب في قبحه وتحريمه، وقد ورد في القرآن النهي عن المضارة في مواضع:
منها في الوصية، قال الله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ} [النساء:12] .
وقال ابن عباس: الإضرار في الوصية من الكبائر [1] ، ثم تلا هذه الآية.
والإضرار في الوصية تارة يكون بأن يخص بعض الورثة بزيادة على فرضه الذي فرضه الله له، فيتضرر بقية الورثة بتخصيصه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" [2] .
وتارة بأن يوصي لأجنبي بزيادة على الثلث، فتنقص حقوق الورثة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:"الثلث والثلث كثير" [3] .
ومتى وصى لوارث أو لأجنبي بزيادة على الثلث، لم ينفذ ما وصى به إلا بإجازة الورثة، وسواء قصد المضارة أم لم يقصد، وأما إن قصد المضارة بالوصية لأجنبي بالثلث، فإنه يأثم بقصده المضارة، وهل ترد وصيته إذا ثبت ذلك بإقراره أو لا؟ حكى ابن عطية رواية عن مالك أنها ترد، وقيل: إنه قياس مذهب أحمد.
ومنها: في الرجعة في النكاح، قال تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [البقرة:231] ، وقال: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [البقرة:228] ، فدل ذلك على أن من كان قصده بالرجعة المضارة، فإنه آثم بذلك، وهذا كما كانوا في أول الإسلام قبل حصر الطلاق في ثلاث: يطلق الرجل امرأته، ثم يتركها حتى تقارب انقضاء عدتها، ثم يراجعها، ثم يطلقها، ويفعل ذلك أبدا بغير نهاية، فيدع المرأة لا مطلقة ولا مُمسَكة، فأبطل الله ذلك، وحصر الطلاق في ثلاث مرات.
ومنها في الإيلاء، فإن الله جعل مدة المؤلي أربعة أشهر إذا حلف الرجل على امتناع وطء زوجته، فإنه يضرب له مدة أربعة أشهر، فإن فاء ورجع إلى الوطء، كان ذلك توبته، وإن أصر على الامتناع لم يمكَّن من ذلك، وفيه قولان للسلف والخلف:
أحدهما: أنها تطلق عليه بمضي هذه المدة.
والثاني: أنه يوقف، فإن فاء، وإلا أمر بالطلاق.
ولو ترك الوطء لقصد الإضرار بغير يمين مدة أربعة أشهر، فقال كثير من أصحابنا: حكمه حكم المؤلي في ذلك، وقالوا: هو ظاهر كلام أحمد.
وكذا قال جماعة منهم: إذا ترك الوطء أربعة أشهر لغير عذر، ثم طلبت الفرقة، فرق بينهما بناء على أن الوطء عندنا في هذه المدة واجب، واختلفوا: هل يعتبر لذلك قصد الإضرار أم لا يعتبر؟ ومذهب مالك وأصحابه إذا ترك الوطء من غير عذر، فإنه يفسخ نكاحه، مع اختلافهم في تقدير المدة.
ولو أطال السفر من غير عذر، وطلبت امرأته قدومه، فأبي، فقال مالك وأحمد وإسحاق: يفرق الحاكم بينهما، وقدره أحمد بستة أشهر، وإسحاق بمضي سنتين.
ومنها: في الرضاع، قال تعالى: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} [البقرة:233] ، قال مجاهد في قوله: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} قال: لا يمنع أمه أن ترضعه ليحزنها [4] ، وقال عطاء وقتادة والزهري وسفيان والسدي وغيرهم: إذا رضيت ما يرضى به غيرها، فهي أحق به وهذا هو المنصوص عن أحمد، ولو كانت الأم في حبال الزوج وقيل: إن كانت في حبال الزوج، فله منعها من إرضاعه، إلا أن لا يمكن ارتضاعه من غيرها، وهو قول
(1) - رواه النسائي في الكبري في التفسير (11026) ، وقال الحافظ في الفتح (5/ 359) : رجاله ثقات.
(2) - رواه أحمد (22294) ، وقال مخرجوه: إسناده حسن، وأبو داود (2870) ، والترمذي (2120) ، وقال: حسن، وابن ماجه (2713) ، ثلاثتهم في الوصايا، والبيهقي في الفرائض (6/ 212) ، وحسن الحافظ إسناده في تلخيص الحبير (3/ 202) ، وصححه الألباني في الجامع الصغير (2670) ، عن أبي أمامة الباهلي.
(3) - متفق عليه: رواه البخاري (2742) ، ومسلم (1628) ، كلاهما في الوصايا، كما رواه أحمد (1440) ، والنسائي في الوصايا (3627) ، عن سعد بن أبي وقاص.
(4) - رواه الطبري في جامع البيان (4974) .