فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 137

وبهذا القول الجامع أخذت مجلة الأحكام العدلية، حتى جاء قانوننا المدني سنة 1949 م فمنع بيع الوفاء استغناء بأحكام الرهن الحيازي.

والتاريخ اليوم يعيد نفسه، فتتجدَّد لدينا مشكلة نظير مشكلة بيع الوفاء، وهي مشكلة عقد التأمين: فبعض العلماء يراه عقد مقامرة، وبعض آخر يراه عقد رهن يتحدَّى فيه قضاء الله وقدره، وبعض آخر يراه التزام ما لا يلزم، وآخرون يرونه عقد تعاون مشروع؛ لأن غايته التعاون على ترميم المضارِّ، وتفتيت مصائب الأقدار، فهو نظام معاوضة تعاونية، وإن انحرف به ممارسوه، وأحاطوه بشوائب ليست من ضرورة نظامه.

وواضح أني لا أعني تشبيه عقد بيع الوفاء بعقد التأمين من حيث الموضوع، كما أسلفت الإشارة إليه، وإنما أعني أن بيع الوفاء شاهد واقعي في تاريخ الفقه الإسلامي على جواز إنشاء عقود جديدة، وأنه اعتراه في أول نشأته ما اعترى اليوم عقد التأمين من اختلاف في تخريجه وتكييفه وإلحاقه ببعض العقود المعروفة قبلا، وتطبيق شرائطه عليه، أو اعتباره عقدا جديدا مستقلاًّ يقرَّر له من الأحكام الفقهية ما يتناسب مع خصائصه وموضوعه) [1] .

ومن ثمار تقرير هذه القاعدة الكبيرة: التضييق في التحريم في باب العادات والمعاملات، كالتضييق في الإيجاب في باب العبادات: ولهذا كان موقف السلف من الصحابة والتابعين: منع التوسُّع في التحريم، لمجرَّد الرأي أو الاحتياط، وقد سمعوا رسول الله يقول:"ما أحلَّ الله لنا فهو حلال، وما حرَّمه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا"ثم تلا: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم:60] [2] .

إن كلمة (حرام) في دين الله، كلمة كبيرة خطيرة؛ لأن معناها أن الله يعاقب على هذا الفعل بالنار، وهذا لا يجرؤ على الحكم به مسلم يخشى الله تعالي، إلا أن يكون معه مستند

(1) - عقد التأمين للشيخ مصطفي الزرقا صـ 27 - 32.

(2) - رواه البزار (4087) ، قال: إسناده صالح، والبيهقي في الكبرى في الضحايا (10/ 12) ، وذكره الهيثمي في المجمع (1/ 416) ، وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير وإسناده حسن ورجاله موثقون. والحاكم في التفسير (2/ 375) ، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. عن أبي الدرداء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت