فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 137

القاعدة السادسة: رعاية الضرورات والحاجات

ومن القواعد الكلية الحاكمة لفقه المعاملات: مراعاة أحكام الضرورات التي أباح بها الشرع المحظورات. وكذلك الحاجات التي تنزل أحيانا منزلة الضرورات.

فهذه الشريعة - كما أنزلها الله - شريعة واقعية، لا تعامل الناس كأنما هم ملائكة أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع، بل تعاملهم على أنهم بشر يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، لهم مطالبهم وشهواتهم وغرائزهم، التي ركَّبها الله فيهم، لحكمة لا تخفى على متأمِّل، كما قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَاكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} [الأنبياء:8] .

وتقدِّر الشريعة ضعف الإنسان بصفة عامة، كما قال تعالى: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء:28] ، وتقدر ضعفه - بصورة خاصة - أمام الضرورات التي يحتاج إليها، حاجة أساسية، وبدونها لا يعيش، فلم تقف جامدة كالصخر أمام هذه الظروف، بل رخَّصت للمكلف في تناول ما حظر عليه في حالة السَّعة والاختيار.

ومن هنا حرَّم الإسلام على المكلَّف أشياء من المطاعم، ولم يُجِز تناولها له، ولكنه استثنى حالة الضرورة، فأباح له ساعة الاضطرار ما حرَّم عليه في حالة الاختيار.

وجاء ذلك في أربع آيات من القرآن، اثنتان مكيتان: في الأنعام والنحل، وأخريان مدنيتان: في البقرة والمائدة.

يقول تعالى في سورة البقرة: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:173] .

ومعنى: {غَيْرَ بَاغٍ} ، أي غير باغ على أحد أو ظالم له، ومعنى: {وَلَا عَادٍ} أي: غير معتد قدر الضرورة.

ومن هنا أخذ العلماء من هذه الآية وأخواتها الثلاث، والآية الخامسة في سورة الأنعام: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام:119] ، أخذوا منها قاعدتين أساسيتين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت