والأصل في اختلاف العلماء في ذلك، اختلافهم: هل المعتبر في صيغ العقود ألفاظها أو معانيها؟
فمَن قال بالأول أجاز الحيل. ثم اختلفوا: فمنهم مَن جعلها تنفذ ظاهرا وباطنا في جميع الصور، أو في بعضها، ومنهم من قال: تنفذ ظاهرا لا باطنا.
ومن قال بالثاني أبطلها، ولم يُجِز منها إلا ما وافق فيه اللفظ المعنى، الذي تدلُّ عليه القرائن الحالية. وقد اشتهر القول بالحيل عن الحنفية، لكون أبي يوسف صنَّف فيها كتابا [1] ، لكن المعروف عنه وعن كثير من أئمتهم تقييد إعمالها بقصد الحقِّ، قال صاحب (المحيط) : أصل الحيل قوله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا} الآية [ص:44] ، وضابطها إن كانت للفرار من الحرام والتباعد من الإثم، فحسن، وإن كانت لإبطال حقِّ مسلم فلا، بل هي إثم وعدوان) [2] .
وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه المحقِّق ابن القيم شديدي الوطأة على مَن أجازوا الحيل، واتخذوا منها ذريعة لإبطال أحكام الشرع، وشنَّا الغارة عليها وعلى أهلها، وصنَّف ابن تيمية كتابه (إقامة الدليل على بطلان التحليل) يعني: تحليل المرأة لمَن طلِّقت منه ثلاثا وبانت بينونة كبرى، وأمست لا تحلُّ له حتى تنكح زوجا غيره. وهنا يأتي مَن يتزوَّجها لا ليسكن إليها، وتكون بينهما مودَّة ورحمة، ولا لينجب منها، ولا ليحقِّق هدفا من أهداف الزواج المشروع، بل ليحلِّلها للزوج الأول، ربما نظير أجر أو خدمة للرجل.
فليس هو زوجا حقيقة، وإنما هو مجرَّد (تيس مستعار) - كما سمَّاه الحديث - لليلة أو ساعة، ثم يفارقها!!
(1) - يجب التحقق من ذلك، فإن ما ذكره في كتابه (الخراج) يدلُّ على أنه يحرِّم الحيل، ولا يبيحها، وربما كان ذلك اتجاها له في أول الأمر ثم تراجع عنه، وتاب منه، على أن المعروف أن الذي ألَّف كتاب الحيل هو: محمد بن الحسن. ولم يكن يقصد به ما قصده المحتالون من المتأخرين.
(2) - انظر: الفتح (16/ 237 - 238) ، طبعة دار طيبة.