فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 137

ابتلوا به من كثرة المغريات بالإثم، والمعوقات عن الخير. ولهذا كان على أهل الفقه والدعوة أن ييسِّروا عليهم في مسائل الفروع، على حين لا يتساهلون في قضايا الأصول. ومَن كان يعمل بالأحوط، فهذا حسن إذا كان ذلك لنفسه، ولأُولي العزم من المؤمنين أما مَن كان يُفتي الناس عامة، أو يكتب للجماهير كافَّة، فينبغي أن يكون شعاره التيسير لا التعسير، والتبشير لا التنفير، اتباعا لوصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى، حين بعثهما إلى اليمن فقال:"يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا" [1] ، وكما روى عنه أنس أنه قال:"يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا" [2] .

وهذا يجعل الفقيه يستحضر الرُّخص، فإن الله يحبُّ أن تؤتى رخصه، ويقدِّر الأعذار والضرورات، ويبحث عن التيسير ورفع الحرج، والتخفيف عن العامة، {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء:28] .

ولهذا رأينا علماءنا السابقين إذا نظروا في معاملة عمَّت بها البلوى، يحتمل تكييفها وجهين: أحدهما يميل إلى جهة الإباحة، والآخر إلى جهة الحظر نجدهم يرجِّحون الاتجاه إلى التخفيف والترخيص، معللِّين بهذه العبارة (تصحيحا لمعاملات المسلمين بقدر الإمكان) .

وهذا ما اخترتُه لنفسي في إفتاء الجمهور، فإذا كان هناك رأيان متكافئان: أحدهما أيسر، والآخر أحوط، أُفتي عموم الناس بالأيسر.

وإذا كان الناس في عصرنا عامة أحوج إلى التيسير، فإن الأقليات المسلمة في أوربا وغيرها، أشد حاجة إليه، نظرا لأنها تعيش في مجتمع غير مسلم.

والمجتمع المسلم يعين الفرد على الالتزام بأحكام الشرع، والقيام بحقوق الخلق، وعدم تعدِّي الحدود، بخلاف مَن يعيش خارج (دار الإسلام) ومن هنا قال العلماء: يعذر في بعض الأحوال، ما لا يعذر به مَن يعيش في دار الإسلام.

(1) - متفق عليه، عن أبي موسى، وقد سبق تخريجه.

(2) - متفق عليه، وقد سبق تخريجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت