ولهذا كان كل من المفتي والقاضي في حاجة إلى معرفة العرف السائد، حتى لا يفتي أو يحكم بما يخالفه، فيقع في الخطأ، وهو لا يدري أو لا يقصد.
ولهذا نص المحققون على أن الفتوى تتغير بتغير العرف، كما تتغير بتغير الزمان والمكان. وكذلك قضاء القاضي، إذ قضاء القاضي هو نوع من ا لفتوى، إلا أنه ملزم للمتقاضيين، والفتوى ليست ملزمة قضاء، وإن كانت ملزمة ديانة.
ومن هنا نبّه العلماء الراسخون على ضرورة مراعاة المفتي للعرف السائد في كل بلد، وفي كل زمن، حتى لا يضل عن الحقيقة. وممن نبّه على ذلك الإمام شهاب الدين القرافي المالكي رحمه الله. كما نبه على ذلك الإمام ابن القيم الحنبلي في الفصل الذي عقده في (إعلام الموقعين) عن موجبات تغير الفتوى، وهي تغير الزمان والمكان والحال والعرف، والعرف أحد هذه الموجبات بلا نزاع.
وكتب علامة المتأخرين من الحنفية فقيه الديار الشامية، ابن عابدين رسالته المعروفة، التي سماها: (نشر العَرْف في أن بعض الأحكام مبناها على العُرْف) . كما سنفصل ذلك فيما يأتي. وقد اهتم علماء العصر في بحوثهم الفقهية بـ (العادة) و (العرف) وأصلوها ورتبوا عليها قواعد وأحكاما لها خطرها وتأثيرها على المستوي النظري، وعلى المستوى العملي، ومن أهم ما قدم في هذا المجال: رسالة شيخنا العلامة الأزهرى، الشيخ الدكتور أحمد فهمي أبو سنة (عن العرف والعادة عند الفقهاء) وكانت رسالة للحصول على شهادة العالمية (من درجة أستاذ) من كلية الشريعة بالأزهر، وبحث الفقيه العلامة الشيخ مصطفي الزرقا عن (نظرية العرف) في كتابه (المدخل الفقهي العام) من جزئه الثاني. وقد كان مبحث العرف من المباحث التي طلبها (المجمع الفقهي الإسلامي الدولي) في إحدى دوراته، وقد قدم له بحوث مستفيضة نشرتها مجلته، ويمكن الرجوع إليها.
ينقسم العرف باعتبارات كثيرة منها: العموم والخصوص، ومنها: القول والفعل أو اللفظ والعمل.
والعموم والخصوص أقسام أيضا: