فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 137

وقد سار ابن القيم على درب شيخه، وربما زاد عليه، وأجلب بخيله ورجله في عدد من كتبه، مثل: (أعلام الموقعين) ، و (زاد المعاد) ، و (إغاثة اللهفان) .

بيَّن ابن القيم في كتابه (إغاثة اللهفان) هذا المعنى بغاية البيان وأقام الأدلَّة عليه، فقال: (إن باب الحيل المحرَّمة مداره على تسمية الشيء بغير اسمه، وعلى تغيير صورته مع بقاء حقيقته، فمداره على تغيير الاسم مع بقاء المسمَّى، وتغيير الصورة مع بقاء الحقيقة؛ فإن المحلِّل مثلًا غيَّر اسم التحليل إلى اسم النكاح، واسمَ المحلِّل إلى الزوج، وغيَّر مسمَّى التحليل بأن جعل صورته صورة النكاح، والحقيقةُ حقيقةُ التحليل، ومعلوم قطعا أَنَّ لعْنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك إنما هو لما فيه من الفساد العظيم الذي اللَّعنةُ من بعض عقوبته، وهذا الفساد لم يزل بتغيير الاسم والصورة مع بقاء الحقيقة، ولا بتقديم الشرط من صلب العقد إلى ما قبله، فإن المفسدة تابعة للحقيقة لا للاسم، ولا لمجرَّد الصورة.

وكذلك المفسدة العظيمة التي اشتمل عليها الربا لا تزول بتغيير اسمه من الربا إلى المعاملة، ولا بتغيير صورته من صورة إلى صورة، والحقيقة معلومة متفق عليها بينهما قبل العقد، يعلمها من قلوبهما عالم السرائر، فقد اتفقا على حقيقة الربا الصريح قبل العقد، ثم غيَّرا اسمه إلى المعاملة، وصورته إلى التبايع الذي لا قصد لهما فيه البتة، وإنما هو حيلة ومكر ومخادعة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وأيُّ فرق بين هذا وبين ما فعلته اليهود من استحلال ما حرَّم الله عليهم من الشحوم بتغيير اسمه وصورته؟ فإنهم أذابوه حتى صار ودَكًا، وباعوه وأكلوا ثمنه، وقالوا: إنما أكلنا الثمن لا المثمن، فلم نأكل شحما.

وكذلك مَن استحلَّ الخمر باسم النبيذ، كما في حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ليشربنَّ ناسٌ من أمتي الخمر، يسمُّونها بغير اسمها، يُعزف على رؤسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت