القاعدة الأولى: أن الأصل في المعاملات والعقود الإذن والإباحة، إلا ما جاء نصٌّ صحيح الثبوت صريح الدلالة بمنعه وتحريمه، فيُوقف عنده، ولا أقول هنا ما قاله البعض: من ضرورة نصٍّ قطعي الثبوت قطعي الدلالة، فهذا مطلوب في إثبات العقائد الأصلية، أما في الأحكام الفرعية العملية، فيكفينا النصُّ الصحيح في ثبوته، الصريح في دلالته، وإن لم يكن قطعيا، وهذا أمر لا خلاف عليه.
وهذا بخلاف العبادات التي تَقرَّر: أن الأصل فيها المنع، حتي يجيء نصٌّ من الشارع؛ لئلا يشرع الناس في الدين ما لم ياذن به الله [1] ، فإذا كان الأساس الأول للدين: ألا يُعبد إلا الله، فإن الأساس الثاني: ألا يُعبد إلا بما شرع.
ذلك أن الشارع - كما يقول شيخنا الشيخ محمد المدني في بحث له - في العبادات منشئ مؤسِّس، وفي المعاملات مصلح مهذِّب [2] .
فلا يجوز للناس أن يخترعوا عبادات من عند أنفسهم، ويتقرَّبوا بها إلى الله؛ لأن هذا ليس إليهم، ولكنه إلى الله، وإلا شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، ولهذا سمَّي الإسلام هذه العبادات المخترعة (بدعة) في الدين، و"كلُّ بدعة ضلالة"، كما جاء في الحديث [3] ، وقال صلى الله عليه وسلم:"مَن أحدث في أمرنا - أي في ديننا - ما ليس منه فهو ردٌّ"أي مردود عليه، وفي رواية:"مَن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ" [4] فهذا كلُّه في شأن العبادات.
أما المعاملات فهي من شأن الناس، إذا وُجدت جماعة منهم في مكان، فلا بد لهم أن يتعاملوا بعضهم مع بعض بائعين ومشتريين، مؤجِّرين ومستأجرين، ومقرضين
(1) - انظر: إعلام الموقعين لابن القيم (1/ 285) ، وسننقله فيما بعد، وكتابنا (الحلال والحرام) قاعدة: (الأصل في الأشياء والتصرفات الإباحة) .
(2) - انظر: السلطة التشريعية في الإسلام صـ 46، 47.
(3) - رواه مسلم في الجمعة (867) ، وأحمد في المسند (14334) ، والنسائي في صلاة العيدين (1578) ، وابن ماجه في المقدمة (45) ، عن جابر.
(4) - متفق عليه: رواه البخاري في الصلح (2697) ، ومسلم في الأقضية (1718) ، كما رواه أحمد في المسند (26033) ، وأبو داود في السنة (4606) ، وابن ماجه في المقدمة (14) ، عن عائشة.