عرضت له وحكم له الحاكم يكون معذورا فيما يأكله بحكمه، ولا يعذر إذا كان عالما بأنه غير محق لأن حكم القاضي على الظاهر فقط) [1] .
ومما علق به الإمام محمد عبده على هذه الآية الكريمة، التي ذمت من يأكلون المال بالباطل ويدلون به إلى الحكام والمحاكم، ليأكلوا بعض أموال الناس بالأثم وهم يعلمون قوله:(ما عليه المسلمون في هذا العصر، ولا سيما في بلاد مصر، من كثرة التقاضي والخصام، والإدلاء إلى الحكام، حتى أن منهم من لا يطالب غريمه بحقه إلا بواسطة المحكمة، ولعله لو طالبه لما احتاج إلى التقاضي، ومنهم من يحاكم الآخر لمحض الانتقام والايذاء وإن أضر بنفسه.
قال الشيخ رشيد: وكم من ثروة نفدت، وبيوت خربت، ونفوس أهينت، وجماعة فرقت، وما كان لذلك من سبب إلا الخصام، والإدلاء بالمال إلى الحكام، ولو تأدب هؤلاء الناس بآداب الكتاب الذي ينتسبون إليه لكان لهم من هدايته ما يحفظ حقوقهم، ويمنع تقاطعهم وعقوقهم، ويحل فيهم التراحم والتلاحم، محل التزاحم والتلاحم، وإنك ترى من أذكيائهم من يزعم أنهم عن هدى الدين أغنياء، وقد عموا عما أصابهم بتركه من الارزاء، فهم بالفسق عنه يتنابذون ويتحاسدون، ويتناقذون ويتناقدون ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون) [2] .
وأكل المال بالباطل كله حرام، ولكن المحرمات في الإسلام تتفاوت في الإثم، ما بين الكبيرة والصغيرة. فبعض ما حرمه الإسلام يدخل في باب الصغائر، مثل بيوع الغرر، والبيوع الفاسدة، التي فقدت بعض شروط الصحة، اللازمة لقبول البيع شرعا. وقد قال تعالى في شأن هذه الصغائر من الذنوب: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء:31] ، وبعض ما حرمه الإسلام يدخل في باب الكبائر كما قال تعالى: {وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء:2] .
ومن أعظم ما حرمه الإسلام وشدد في تحريمه، واعتبره من كبائر الإثم والموبقات المهلكة للفرد وللجماعة: الربا. الذي لعن الرسول آكله وموكله وكاتبه وشاهديه [3] . وقال تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة:276] ، وفيه إشارة إلى المرابي، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة:278، 279] ، ولم يقل القرآن مثل هذا القول إلا في شأن الربا.
وأساس هذا التغليظ في شأن الربا: أن المال لا يلد المال لذاته، وإنما الذي يلد المال هو العمل، أو مشاركة العامل وتحمُّل مسؤولية المخاطرة معه، فهذا بذل ماله، وهذا بذل جهده. فإذا ربح المشروع ربح الطرفان فيه: العامل بعمله، وربُّ المال بماله، لأن المال في الغالب هو ثمرة عمل مختزن، وإذا خسر المشروع تحمَّل الطرفان الخسارة فيه، فربُّ المال يخسر ماله أو ربحه المتوقَّع، والعامل يخسر عمله وجهده، وبهذا يشتركان في المغنم والمغرم. وهذا هو العدل المحكم الذي جاءت به الشريعة. أما النظام الرأسمالى، فربُّ االمال رابح دائما، ولا يتحمَّل أيَّة خسارة، لأنه يدفع بربا أو فوائد محددة: (7%) أو (10%) ولا شأن له إن ربح العامل في المال أم خسر فهو ضامن لربحه دائما، فله أبدا الغُنم، وليس عليه يوما غُرم.
ولهذا تقرَّرت هذه القاعدة الفقهية الشهيرة: الغُرم بالغُنم وهي تمثِّل لونا من ألوان العدل الذي أمر الله به عباده وأنزل به كتبه، وبعث به رسله، {لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد:25] ، وليس من العدل أن يكون لأحد الطرفين في التعاقد أو التعامل: الغُنم في كلِّ حين، وعلى كلِّ حال، وعلى الطرف الآخر الغُرم أبد الدهر.
وإنما العدل أن يكون كلٌّ منهما قابلا أن يغنم وأن يغرم، بالتساوي مع صاحبه وأساس هذا، الحديث المعروف:"الخراج بالضمان" [4] . الربا يقضى أن يكون صاحب
(1) - تفسير المنار (2/ 196 - 199) .
(2) - تفسير المنار (2/ 201) .
(3) - رواه مسلم في المساقاة (1598) ، وأحمد (14263) ، عن جابر بن عبد الله.
(4) - رواه أحمد (24224) ، وقال مخرجوه: حديث حسن وهذا إسناد ضعيف، وأبو داود في الإجارة (3508، 3509، 3510) ، وقال: هذا إسناد ليس بذاك، والترمذي في البيوع (1285) ، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في البيوع (4490) ، وابن ماجه في التجارات (4442) ، وقال الحافظ في بلوغ المرام صـ 135، رواه الخمسة، وضعفه البخاري وأبو داود، وصححه الترمذي، وابن خزيمة، وابن الجارود، وابن حبان، والحاكم، وابن القطان.