يعجز عن ذلك، فيعفو الله عنه، إذا علم صدق نيَّته وتوبته، ولو بالاجتهاد والتقريب، وإذا مات صاحب الحقِّ، فعليه الردُّ إلى ورثته.
وإذا كان الذين ظلمهم وأكل مالهم لا يُعرفون ولا يُحصَون، مثل التاجر الذي ظلَّ زمنا يغشُّ في بضاعته، أو يطفِّف في كيله أو ميزانه، أو نحو ذلك، ولا يعرف الناس الذين جار عليهم، فعليه أن يتصدَّق عنهم بمثل ما أخذ منهم، ولهم ثواب الصدقة.
حتى الشهيد الذي قُتل في سبيل الله تكفَّر ذنوبه كلُّها إلا الدين، كما جاء في صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يُغفر للشهيد كلُّ ذنب إلا الدين" [1] .
ولا يغني عن آكل المال بالباطل أن يتصدَّق آكله به كلَّه أو بعضه، أو يبني به مسجدا، أو يكفل يتيما، أو يقيم مشروعا خيريا، فهو لا يُقبل منه، لأنه ليس ماله حتى يتصرَّف فيه هذا التصرُّف، وقد قال عليه الصلاة والسلام:"إن الله طيِّب لا يقبل إلا طيِّبا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنون:51] ، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة:172] ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعثَ أغبرَ، يرفع يده إلى السماء، يقول: يا ربِّ، يا ربِّ ومأكله حرام، وملبسه حرام، وغُذِي بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك؟" [2] .
ولشيخ الإسلام ابن تيميه كلام قوي في كتابه (القواعد الفقهية النورانية) ، فصَّل فيه القول حول أكل المال بالباطل، وأصَّله تأصيلا على عادته، فقال رحمه الله:
(والأصل في ذلك: أن الله حرَّم في كتابه أكل أموالنا بيننا بالباطل وذمَّ الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، وذمَّ اليهود على أخذهم الربا وقد نهَوا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل وهذا يعمُّ كلَّ ما يؤكل بالباطل في المعاوضات والتبرُّعات، وما يؤخذ بغير رضا المستحقِّ والاستحقاق.
(1) - رواه مسلم في الإمارة (1886) ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
(2) - رواه مسلم في الزكاة (1015) ، وأحمد (8348) ، والترمذي في التفسير (2989) ، عن أبي هريرة.