الاستقبال، فإن في كلِّ ذلك مفسدة لما فيه من الإخلال بجلال الله تعالى، في أن لا يناجى إلا على أكمل الأحوال، ومتى تعذَّر عليه شيء من ذلك جازت الصلاة بدونه، تقديما لمصلحة الصلاة على هذه المفسدة.
ومنه في باب المعاملات: أن الكذب مفسدة محرَّمة، وهو متى تضمَّن جلب مصلحة تربو عليه جاز، كالكذب للإصلاح بين الناس، وعلى الزوجة لإصلاحها، والكذب في الحرب، فإنها خدعة، وهو ما صحَّ به الحديث [1] . وهذا النوع راجع إلى ارتكاب أخفِّ المفسدتين في الحقيقة [2] .
(وعلى هذا يجب شرعا منع التجارة في المحرَّمات أو استيرادها من الخارج، من أصنام ومسكرات ومخدِّرات، وأغذية ملوَّثة بالإشعاع أو انتهي أمد صلاحيتها، ولو أن فيها أرباحا ومنافع اقتصادية.
ويُمنع مالك الدار من فتح نافذة تطلُّ على مقرِّ نساء جاره، ولو كان له فيها منفعة.
وكذا يُمنع كلُّ جار من أن يتصرَّف في ملكه تصرُّفا يضرُّ بجيرانه، كاتخاذ معصرة أو فرن يؤذيان الجيران بالرائحة أو الدخان.
وهو ما ارتقي إليه التطور الفكري في القوانين الحديثة، (منع التعسف في استعمال الحقِّ) ، وهو ما سبق به الفقه الإسلامي. ويحجر على الطبيب الذي لا يحمل شهادة معتمدة من جامعة معترَف بها. ويمنع الاحتكار والتعدِّي في الأسعار كما تقدم في القاعدة السابقة) [3] .
وقاعدة (لا ضر ولا ضرار) فيها ضمان لحماية (البيئة) من الفساد والتلف والتلوُّث، وكلُّ ما يضرُّ بالبيئة وما فيها من كائنات حيَّة، من الإنسان والحيوان والنبات، بل الأرض والماء والهواء، بل كلُّ ما يخلُّ بالتوازن الكوني من عمل الإنسان، إذا تجاوز فيه، ولم
(1) - أشار إلى الحديث المتفق عليه: عن أبي هريرة قال:"سمى رسول الله صلي الله عليه وسلم الحرب خدعة"رواه البخاري (3029) ، ومسلم (1740) ، كلاهما في الجهاد. وكذلك حديث أم كلثوم بنت عقبة قالت:"ولم أسمعه يرخص في شئ مما يقول الناس إلا في ثلاث، الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها"رواه مسلم في البر والصلة (2605) ، وأحمد (27313) ، وأبو داود في الأدب (4920) .
(2) - الأشباه والنظائر لابن نجيم صـ 87 - 91، وانظر: أشباه السيوطي صـ 87 - 89.
(3) - المدخل الفقهي العام (2/ 996) . بتصرف.